الغارة الإسرائيلية على موقع سوري في لبنان تشكل توسعة لرقعة الصراع الراهن حول مستقبل القضية الفلسطينية، كما أن الغارات الإسرائيلية والهجمات على قطاع غزة تشكل هي الأخرى توسعة لذات النهج الإسرائيلي ، في التعامل مع مقاومة الفلسطينيين للاحتلال. إن التوتر الذي تعمقه الهجمات الإسرائيلية الأخيرة يحتمل آفاق التوسع والانتشار. بل تشير كل الأبعاد الراهنة للصراع إلى أن الاتجاه في المرحلة المقبلة سوف يتضمن صراعاً أكثر انتشاراً أو أكثر عنفاً مما رأينا حتى الآن. ولو نظرنا لكل الحروب العربية الإسرائيلية السابقة لوجدنا أن مقدماتها لم تختلف عن المقدمات التي نشاهد بعضاً منها اليوم. هذا لا يعني حتمية الحرب الموسعة نسبة للحرب الراهنة ذات الوتيرة الاستنزافية، ولكن الأجواء هي أجواء لا تختلف عن تلك الأجواء التي سادت الحروب العربية الإسرائيلية السابقة. فحرب 1967 بدأت مقدماتها بعمليات فلسطينية هدفها العودة والتحرير، وهي لم تختلف مع اختلاف الظروف والوسائل عن عمليات حزب الله في جنوب لبنان. وقد نتج عن عمليات عامي 66 و67 والتي قامت بها حينذاك حركة فتح منطلقة من الأراضي السورية، أن قامت إسرائيل بتوجيه تهديد واضح لسوريا، ونتج عن ذلك التهديد أن تحرك الرئيس المصري عبدالناصر لمناصرة سوريا، وهكذا تسلسلت الأحداث الى أن اندلعت الحرب التي أدت لخسارة العرب لكل من الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، إضافة لسيناء والجولان. ويساهم في توسعة رقعة المواجهة الراهنة القناعة الإسرائيلية بالحلول العسكرية، فهذه القناعة هي المسيطرة في إسرائيل، حيث يسود الاعتقاد بقدرة إسرائيل على فرض إرادتها على العرب من خلال الوسائل العسكرية واستخدام القوة. وتنطلق إسرائيل بالوقت نفسه من أن فرض إرادتها أمر حيوي لبقائها ولوجودها، وذلك لأن الضعف والتراجع سوف يؤدي لمزيد من الضغط العربي عليها. وفي هذا يضرب الإسرائيليون مثلاً بما حصل بعد الانسحاب المفاجيء من جنوب لبنان، وأثر ذلك على الانطباع في العالم العربي بضعف إسرائيل. وفي الجهة المقابلة لإسرائيل تشكل عملية التضامن مع الانتفاضة التي مضى عليها سبعة شهور، جوهر الموقف العربي. فالعالم العربي يتفاعل مع الانتفاضة ويتأثر من جراء ردود الفعل الإسرائيلية عليها. إن فصل الانتفاضة عن العمق العربي غير ممكن، ويشكل هذا العامل أحد الروافد التي ستجعل العنف الإسرائيلي يصب بشكل مباشر في توتير كل أبعاد الحياة في منطقة الشرق الأوسط. إن الحل السلمي والسياسي العادل للصراع العربي الإسرائيلي أمر أساسي لطبيعة المستقبل الذي تطمح إليه الشعوب والشعب الفلسطيني. فبدون سلام حقيقي يقوم على أسس عادلة من الصعب الانطلاق في عملية التنمية البشرية والاقتصادية التي تحتاجها منطقتنا، وسوف يبقى الاستنزاف عنصر إضعاف للبلاد العربية وعنصر إلهاء لها عن القضايا الجوهرية الأخرى. وقد يقول قائل: إن هدف إسرائيل هو بث التخلف والتراجع في الصفوف العربية، وقد يقول آخر إن إسرائيل هي الأخرى تدمر نفسها من خلال هذا النمط من العدوان على محيطها العربي. ويمكن الاستنتاج أنه مع استمرار هذه الأوضاع والمواجهات ستجد منطقتنا أنها في وضع أسوأ من ذلك الذي كان قبل بدء الصدامات، وستجد أن خياراتها أقل من تلك التي تعتقد أنها تمتلك. وقد تجد إسرائيل هي الأخرى أن وضعها أسوأ من ذلك الذي كان قائماً قبل أن تتفجر الانتفاضة، إذ ستجد أن الاقتصاد المزدهر والمستقبل المنفتح يتناقض وحالة العسكرة والحرب المستمرة. في هذا الإطار تزداد فرص الوقوع بأخطاء في الحسابات، وتزداد فرص السير نحو الحرب الأوسع، مما يعيد المنطقة إلى أجواء لا تختلف عن تلك التي سادت الستينيات والسبعينيات. ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت