لن أسمح لنفسي بالخوض الجدالي في تلك الأقوال التشكيكية حول بعض الأحكام والمباديء الأساسية للإسلام.. تلك الأقوال الصادرة عن الكاتبة المصرية د. نوال السعداوي. فقد كفانا مفتي مصر الشيخ نصر فريد واصل مؤونة الجدال بقوله الفصل ، إن د. نوال «أنكرت معلوماً من الدين مما يخرجها بالضرورة عن دائرة الإسلام». لكني أتساءل: ألا يجد مثل أولئك الكتّاب المفترض أنهم مسلمون في مصر وغير مصر في المحن والأخطار العصيبة التي تحيط بالأمة العربية والأمة الإسلامية ما يجب أن يشغلهم عن ترف الإساءة المباشرة أو غير المباشرة إلى الإسلام؟ ملاحظات د. نوال السعداوي لم تأت في سياق جلسة خاصة أو ضمن منشور سري. لقد وردت علناً في مقابلة صحفية في جريدة «الميدان» المصرية الأسبوعية بتاريخ 26 مارس. ثم أنه لم يصدر نفي للملاحظات من هذه الكاتبة المحترفة المشهورة. فماذا قالت تحديداً في سياق المقابلة الصحفية؟ لقد تناولت د. السعداوي ثلاثة أحكام إسلامية: الحج والحجاب والميراث. عن الحج، قالت إنه من بقايا العادات الوثنية. وعن الحجاب قالت إنه «لا يوجد نص يوجب ارتداء الحجاب». وأما عن الميراث فإنها طالبت بـ «المساواة في الميراث بين الرجال والنساء». أي أنها تطالب عملياً باستحداث تعديل في نصوص قرآنية! بناء على هذا الترهات نفهم لماذا وصف مفتي مصر أفكار هذه الكاتبة بأنها ضالة ومنحرفة عن منهج الإسلام. لكني أعود إلى السؤال المطروح: لماذا لا يجد مثل هؤلاء الكتّاب في هموم وأوجاع العرب والمسلمين وما يواجهون من تحديات إقليمية ومؤامرات دولية وغزو ثقافي وحرب اقتصادية ما يجب أن يستثير نخوتهم كأشخاص ينتمون إلى أمة العرب وأمة المسلمين، وبالتالي يقنعهم بالامتناع عن إثارة قضايا جانبية للطعن في الإسلام وأحكامه ومبادئه.. أو على الأقل تأجيل هذه القضايا اقتداء بمبدأ الأولويات اعتباراً للظرف العصيب الاستثنائي الذي يواجه الشعوب العربية والإسلامية. إن الترهات التي تصدر في وسائل الإعلام عن مثل أولئك الكتّاب والمعلقين تأتي على خلفية ظرف أشبه بحالة حرب شاملة تشنها قوات الدولة اليهودية الصهيونية على الشعب الفلسطيني المسلم وتوسّع في نطاقها لتشمل الشعبين السوري واللبناني مما نشأت عنه حالة توتر عامة بمساحة العالمين العربي والإسلامي. وفي مثل هذا الظرف فإن المتوقع من أهل الفكر والقلم من المسلمين هو حشد كل قواهم الفكرية وشحذها للارتقاء إلى مستوى هذه المحنة العظيمة. إن الكاتب العربي والمسلم الأصيل لن يشغله الآن هاجس سوى استنهاض القوة الشعبية لمواجهة العدوان اليهودي، وانتقاد الدوائر الرسمية المتقاعسة.. ثم التصدي للتواطؤ الأمريكي في العدوان. وفي الإطار الأعرض فإن ما يجب أن يشغل ذهن الكاتب بالكلية هو تلك الحملة العالمية الضارية التي لا تكف مؤسسات الغرب عن شنها ضد الإسلام والمسلمين وما يتبعها من غزو ثقافي. وبكلمة واحدة فإن الإسلام والمسلمين يواجهون هجمة حضارية شاملة يستخدم فيها، وعلى نطاق عالمي، كل ما بيده من أدوات أمنية واقتصادية وإعلامية بهدف تحجيم دور الإسلام كدعوة أممية وتهميش المسلمين كأمة في هذا العصر. إزاء هذه الأوضاع الخطيرة والمحن الجسيمة فإن جنوح كتّاب ومعلقين مسلمين وعرب إلى تجاهلها ليتفرغوا لمهمة الطعن في الإسلام وأحكامه لا يمكن أن يعتبر بحال من الأحوال مسلكاً خالياً من سوء النوايا المضمرة. وهذا أقل ما يمكن أن يقال.