هل تغير الموقف الأمريكي من العدوان الإسرائيلي خلال أقل من 24 ساعة؟ ولماذا كان التأييد والتشجيع الأمريكي لإسرائيل وهي تقيم المذابح اليومية للفلسطينيين، وحتى انها تمتد بعدوانها الى حافة الانفجار.. ثم لماذا كان التخطيط لإعادة احتلال إسرائيل لأراضي غزة الخاضعة للسلطة الفلسطينية؟! صحيح أن الموقف الأمريكي الجديد حمل الفلسطينيين مسئولية البدء بأحداث العنف، كما يقول، واكتفى بالتعبير عن الاستياء من رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه والإفراط في استخدام القوة، ولكنه في النهاية أمر أمريكي بالإنسحاب من الأراضي الفلسطينية التي أعادت إسرائيل احتلالها، وهو الأمر الذي رضخت له إسرائيل على الفور. وقبل ذلك بساعات كان السفير الأمريكي في لبنان يقابل الرئيس اللبناني أميل لحود للبحث في العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى القوات السورية المرابطة فوق أرضه، وخرج السفير الأمريكي ليعلن بكل وقاحة عن الأمل الأمريكي بأن تكون الرسالة قد وصلت!! أي تدرك دمشق وبيروت أن العنف الإسرائيلي لن تكون له حدود، وأن خطة شارون لتركيع الفلسطينيين وإرهاب باقي العرب ستستمر، وسيستمر التأييد الأمريكي لها، وأنه لا سبيل للخروج من هذا الموقف إلا برضوخ الفلسطينيين لشروط إسرائيل، ورضوخ العرب للخطط الأمريكية للمنطقة، وقبولها مواصلة الحصار على العراق، وإعلانهم أن صدام حسين وليس شارون هو العدو، وتصديقهم على تنصيب إسرائيل وكيلا رسمياً للمصالح الأمريكية في المنطقة والتوقف عن أي محاولة للمصالحة العربية أو إحياء التضامن العربي. هكذا كان التنسيق كاملا بين واشنطن وتل أبيب، وشارون يتحرك وهو واثق من الدعم الأمريكي الكامل، والإدارة الأمريكية تراهن على أن حملة شارون ضد العرب ستمهد لها الطريق لقتل أي معارضة أو حتى مجرد التردد لدى العواصم العربية تجاه مخططاتها للمنطقة. ولكن يبدو أن ما فعله شارون بإعادة احتلال الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية كان خارج السيناريو المشترك بين تل أبيب وواشنطن، ويبدو أن الأخيرة أحست بما يحمله هذا التطور من مخاطر تجعل الموقف يخرج عن نطاق السيطرة ويهدد بتحويل التوتر المحسوب الذي كانت تريد واشنطن أن يكون وسيلتها للضغط على العرب إلى انفجار شامل للمنطقة بأسرها. لم تكن إعادة احتلال غزة من وجهة نظر واشنطن مجرد عملية عسكرية تدخل في نطاق استخدام إسرائيل لأقصى درجات العنف لفرض شروطها على الفلسطينيين، ولكنها كانت انقلابا شاملا في سير الأحداث يضع المنطقة كلها في مسار جديد. كانت إعادة احتلال غزة تعني استخراج شهادة الوفاة الرسمية لاتفاقات أوسلو. وهو أمر قد يكون صحيحا من الناحية الفعلية، ولكنه من الناحية الرسمية يفتح الباب لتطورات تعرف واشنطن جيدا مدى خطورتها. فاتفاقات أوسلو وتوابعها حملت إدانة القيادة الفلسطينية للعنف، وجعلت من المقاومة إرهابا يجب وقفه، كما حملت تعهد القيادة الفلسطينية بأن المفاوضات وحدها هي التي تقدم الحل النهائي للقضايا المعلقة. وبموجب هذه الاتفاقات، تحولت الأرض المحتلة إلى أرض متنازع عليها، وحصلت إسرائيل على ما تريده وأكثر من التنازلات الفلسطينية. وسقوط هذه الاتفاقات سوف يعيد الموقف إلى نقطة البداية ويطوي صفحة التنازلات الفلسطينية، ويضع الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة المقاومة وفي مواجهة الشرعية الدولية التي حاولت أمريكا تغييبها طوال العقد الماضي. وإعادة الاحتلال كانت ستعني بالطبع سقوط السلطة الفلسطينية، وخلق وضع تتوحد فيه كل الفصائل الوطنية أمام قيادة جديدة تستمد شرعيتها من المقاومة، ومهما كانت سطوة القوة الإسرائيلية فإن غزة ستتحول إلى جنوب لبنان آخر، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على الشارع العربي، وعلى المنطقة كلها. إن الوضع في ظل هذه الأوضاع سيزداد صعوبة. فإسرائيل سوف تتصور أن نجاحها في إعادة احتلال المناطق الفلسطينية يعطيها الفرصة لفرض إرادتها وشروطها وتمرير مشروع شارون الذي يعيد 42% فقط من أراضي الضفة، ويستولي على القدس ويمنع عودة اللاجئين.. بل ربما يضيف إليهم أعدادا جديدة يجبرها على الرحيل بالقوة. وفي المقابل ومع إعادة الاحتلال وإخراج تصريح الدفن الرسمي لاتفاقات أوسلو سوف تضع المقاومة الفلسطينية القضية في إطارها الحقيقي وتعود للمطالبة على الأقل بقرارات التقسيم التي تمنحها نصف فلسطين بما فيها كامل الضفة وغزة والقدس الشرقية. وفي ظل هذه الأوضاع سوف تفتقد السياسة الأمريكية أية مصداقية، وستكون مسئولة عن انهيار عملية السلام التي نصبت نفسها راعية لها، ثم خسرت رعايتها بأنها الانحياز الكامل لإسرائيل. إن الوضع في ظل اعادة احتلال كامل غزة سوف يشعل الموقف على الحدود المصرية. وإذا كانت العلاقات المصرية الإسرائيلية الرسمية قد مرت بمراحل متعددة من التوتر، ولجأت مصر بعد الانتفاضة إلى سحب سفيرها من تل أبيب ورفضت كل الضغوط لاعادته، وإذا كانت العلاقات المصرية الإسرائيلية الرسمية قد شهدت في الفترة الأخيرة مزيدا من التوتر بعد الاتهامات التي وجهت للقاهرة بأنها تعرقل مسيرة السلام وتشجع القيادة الفلسطينية على رفض تقديم التنازلات المطلوبة، وتشن صحافتها حملة كراهية ضد الصهاينة، وإذا كانت هذه العلاقات المصرية الإسرائيلية الرسمية تعاني من آثار تصريحات هوجاء لوزراء في حكومة شارون هددوا فيها بضرب القاهرة ونسف السد العالي، ومن تحريض شارون نفسه لأمريكا أثناء زيارته لها على قطع المعونة الاقتصادية والعسكرية عن القاهرة إذا كانت العلاقات المصرية الإسرائيلية الرسمية تعاني من ذلك كله، فإن ما يمكن أن يحدث من تطورات يتجاوز هذا المدى بكثير. فإعادة احتلال غزة مع تصعيد حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني، مع ضرب القوات السورية في لبنان جعل القاهرة تضع ألف حساب للموقف خاصة بعد التصريحات الإسرائيلية عن تهريب أسلحة من مصر للفلسطينيين وهو الأمر الذي دعا الرئيس مبارك إلى التحذير من خطورة الموقف، ووصف التصرفات الإسرائيلية بأنها (جر شكل) بالتعبير المصري.. أي استفزازات مقصودة لتصعيد الموقف. إذا كان شارون يروج لتصرفاته الحمقاء بأن الانتفاضة خطر على النظم العربية بأكثر مما هي خطر على إسرائيل، وأن انتقالها للشارع العربي سوف يشكل تحديا خطيرا لاستقرار بعض النظم العربية، فإن واشنطن تعلم أكثر من غيرها أن الحماقة الإسرائيلية هي التي تشعل الشارع العربي، وأن تصرفا مثل إعادة احتلال أراضي السلطة الفلسطينية وما يستتبعه من تداعيات داخل وخارج فلسطين سوف يضع الأنظمة العربية المعتدلة المرتبطة بعلاقات صداقة مع واشنطن في موقف حرج أمام شعوب غاضبة ورأي عام ملتهب. ثم.. إذا كانت أمريكا ترى في خطة شارون للتنكيل بالشعب الفلسطيني عاملا مساعدا لها على تنفيذ سياستها في المنطقة، وإذا كانت ترى في الضربة الإسرائيلية التي تم توجيهها للقوات السورية في لبنان رسالة تتمنى وصولها للعرب لكي يرضخوا لما تريده أمريكا من حصار للعراق وإنهاء للنزاع مع إسرائيل بشروطها، فإن إعادة احتلال غزة يتجاوز المطلوب، ويشعل الموقف أكثر مما خططت أمريكا، وينسف احتمالات التعاون العربي مع الخطط الامريكية ويجعل الجميع يدركون أن نهاية المعارضة لأمريكا مثل نهاية الموالاة لها، وأن ما تعرضت له بغداد تتعرض له السلطة الفلسطينية التي وضعت كل الأوراق في يد أمريكا.. وسيتعرض له العرب أجمعون بصورة أو بأخرى. وهكذا تحركت واشنطن، وأبدت تحفظها على العملية الإسرائيلية لاعادة احتلال غزة ورغم أنها حرصت على تبرئة إسرائيل من مسئولية ما حدث، واعتبرت جرائمها (في لبنان وغزة) مجرد رد فعل لهجمات حزب الله والمقاومة الفلسطينية، فإن الرسالة كانت واضحة، وأمر الانسحاب من أمريكا كان قد صدر، ولم يكن أمام شارون إلا التنفيذ. وما حدث يضعنا أمام موقف جديد لابد أن يتحرك العرب في مواجهته. فها هو الأمر يفتضح بجملته، فلم يعد شارون قادراً على تنفيذ خطته الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني بدون الحصول على دعم واشنطن الكامل، ولم يكن شارون قادرا على توجيه الضربة ضد الموقع العسكري السوري في لبنان دون علم أمريكا ومباركتها، وبالتالي لم يكن قادرا على البقاء في أرض غزة التي أعاد احتلالها وأعلنت حكومته إنها ستبقى فيها شهورا حين جاءته الأوامر الامريكية بالرحيل. إنه وضع يلقي المسئولية كاملة على الإدارة الامريكية. فلو أرادت أن توقف العدوان الوحشي على الشعب الفلسطيني الأعزل لفعلت، ولو أرادت أن توقف العربدة الإسرائيلية في المنطقة توقفت.. ولو أرادت أن تقدم الحد الأدنى من الاعتراف بالحقوق العربية لفعلت. ولو كانت حريصة على استقرار المنطقة لاحترمت حقوق الشعوب جميعها وتخلت عن انحيازها الأعمى لإسرائيل، وتعاملت مع العرب كأمة تستحق الحياة لا كأمة من الهنود الحمر. والأمر بعدما حدث يحتاج لموقف عربي قوي وواضح، تمنينا قبل ذلك أن يصدر عن قمة القاهرة، وقمة عمان ولم يحدث.. موقف يضع المسئولية عن تدهور الموقف في المنطقة على أمريكا بالدرجة الأولى.. بانحيازها لإسرائيل ودعمها لعدوانها، ويطالبها بأن تقوم بواجباتها لإقرار السلام العادل في المنطقة إذا أرادت أن تكون مصالحها آمنة، وإذا كان الهدف هو استقرار حقيقي لايمكن أن تحققه القوة الغاشمة ولا العدوان المستمر ولا احتلال الأرض وسلب الحقوق العربية. الأمر يحتاج لموقف عربي واضح يرفض ابتزاز العرب عن طريق شارون أو غير شارون ويؤكد أن التحكم في (التوتر المحسوب) الذي تريده واشنطن ليس مضمونا، وأن الضغط بشارون للحصول على موافقة العرب على استمرار حصار العراق وانهاء الانتفاضة وفرض للسلام الأمر الواقع هو خطأ فادح للسياسة الأمريكية، قد يدفع العرب بعض ثمنه، ولكن المصالح الأمريكية نفسها ستدفع الثمن الأكبر. إن هناك لقاء سوريا فلسطينيا قريبا بين الأسد وعرفات في دمشق وهو خطوة طيبة ومهمة خاصة في هذا الوقت. فهل يمكن أن يتحول اللقاء إلى لقاء أوسع يضم دول الطوق الأخرى (مصر والأردن ولبنان) ومعهم السعودية والمغرب لكي تصدر الاعلان المطلوب، وتعلن لأمريكا وللعالم موقفها من رفض سلام الأمر الواقع، ورؤيتها للسلام الذي تقبله، وتأكيدها أن إسرائيل وليس العراق هي العدو، وأن حكومة شارون وليست حكومة بغداد التي تبطش بالفلسطينيين وتحتل الأراضي العربية وتنتهك الحرمات في القدس وتجر المنطقة إلى حرب شاملة سوف تكون أمريكا هي المسئولة عنها، كما هي مسئولة عن استمرار العربدة الإسرائيلية بدعمها وانحيازها للكيان الصهيوني وتصرفاته النازية. هل ينعقد مثل هذا الاجتماع ليعلن رفض العربدة الإسرائيلية ويحمل واشنطن المسئولية ويطالبها بالتحرك، أم سنظل نمضغ الكلام الذي وضعوه في أفواهنا عن وقف العنف واستئناف المفاوضات، بينما شارون يواصل عدوانه القذر وأمريكا تسألنا : هل وصلت الرسالة؟!