قبل شهرين من الآن وصلتني دعوة من مهرجان سينما المتوسط الذي يقام في ايطاليا الا انني وبرغم عشقي لهذه الدولة الرائعة اعتذرت، وكنت في العام 1995 قد حضرت فعاليات هذا المهرجان السينمائي ، الذي اقيم في بانتاليريا التابعة لصقلية، وآنذاك قرأت كتاباً عن علاقة العرب بهذه الجزيرة، وبعدها حاولت أن اعتمد على المعلومات الارشيفية التي جمعتها حول واقع السينما الايطالية وآفاقها وصراعها المستمر مع الغزو الذي تشهده من السينما الامريكية. ورسخت في مخيلتي قبل اعتذاري عن عدم الحضور الكذبة الكبيرة التي تسمى التنظيم الاوروبي، ففي الواقع العربي يظل الربط بين تنظيمنا للفعاليات المختلفة والتنظيم الاوروبي ظالما، اذ يتفوق علينا النموذج الاوروبي في تصورنا الجاهز، وفي تصور الآخرين، بدءاً من التقاء بؤبؤ اعيننا بالفتاة الشقراء ذات العينين الزرقاوين وانتهاء بها ايضا! وفي ذاك المهرجان حاولت ان اقارن النموذج المعدّ سلفاً عن التنظيم وما رأيته فعلاً، وجدت اننا متواضعون بالمعنى الذي يحمله التواضع، اي اننا نملك قدرات تنظيمية تفوق ما يقدمه الاوروبيون مئات المرات، ولكننا لا نقدّر انفسنا ذاك القدر، ولانعطي انفسنا حق الدعاية التي نستحقها فعلاً، ووجدت ايضا والضيوف الذين عاشوا صدمة سوء التنظيم ان نجد مخرجاً آخر يجعلنا نتنفس هواء لم تلوثه كذبة المهرجان، ولذا كان البحث عن لغة حوارية مع اهالي جزيرة بانتاليريا الا ان تلك الحوارية افرزت مفاجآت لم يتوقعها الحاضرون. لقد اكتشفنا ان مباني هذه المنطقة وشوارعها وجبالها وازقتها ووديانها تتحدث العربية رغم أن اهلها لا يتحدثونها، وهنا مربط الفرس، كما يقال.. فبانتاليريا هي تحريف واضح لبنت الريح، وهناك مفردات كثيرة منها كالاكادير اي قلعة قدير، وهناك كيمه بمعنى خيمة، وكاذن بمعنى مخزن، وكالات نيساتا اي قلعة النساء، ومرسالا بمعنى مرسى الله، كاربيا بمعنى الغربية، وبابو الرّي اي باب الريح، ومزارا دي لوادي وهي مزارة الوادي، وبني منتالو اي بني من تالو وباكرم تعني بوكرم وكنيترو وهي القنيطرة، وكدير وتعني غدير الماء وكغيره وهي الحفيرة وزيتون وهو الزيتون وجبل ألي اي جبل علي. ويبدو أن التأثير العربي كان واضحا كذلك في عملية البناء بطريقة الدمس التي نقلها اهالي تونس لهذه الجزيرة التي ظلت تحت الحكم التونسي حتى العام 1623، فجزيرة بانتاليريا المتواضعة في الخدمات لا تبعد عن الساحل التونسي سوى 70 كيلو متراً، ولا يتشدد أهاليها الذين يبلغ عددهم حوالي 8 آلاف ساكن في تعاملهم مع السياح، ولا يجدون حرجاً في التحدث معهم بالاشارة إذا تعذرت لغة الكلام. وما دمنا في ايطاليا ونتعامل بلغتهم المثيرة الساحرة، فاننا نقف عند اللغة ولا نتجه شمالاً أو جنوباً، فاللغويون يعانون في كافة انحاء العالم من التردي الذي تعيشه اللغة في ظل مجتمع استهلاكي سريع لا يقف قطاره عند محطة التأني لانه فقد كوابحه، ولم يعد هناك متسع من الوقت عند الكثيرين من راكبيه لاعادة احياء عبارات اللغة القديمة وجملها ومناسباتها وأوقاتها، وتبدو بالنسبة لهم حجر عثرة امام الزحف التكنولوجي الذي يرتسم بوجهين مختلفين، أولهما صامت والآخر صاخب ومثير للضجر. وفي ايطاليا بلد البيتزا والاسباجتي يستقبلك الصباح بشذى الزهور، ويستقبلك الناس بعبارتهم الصباحية الشهيرة «بونجورنو» اي صباح الخير، الا ان العبارات الدخيلة على اللغة التي كان يتحدث بها أهالي روما القديمة مازالت تتواصل، فقد كانت اللغة اللاتينية هي اللغة التي تفرض نفسها على مساحات وارجاء الامبراطورية الرومانية القديمة وكانت عبارة «سالفي» التي تعني بالعربية سلاماً هي عبارة التحية التي كان يستخدمها اهالي روما بكل فخر وثقة واعتزاز. ولايزال الجدل مستمراً عند اصحاب اللغة في روما حول الكيفية التي يمكن من خلالها احياء لغة غالباً ما يقال انها ماتت وزالت عن الوجود، ولم يعد لها أثر إلا في كتب متراصة وموضوعة بعناية على رفوف المكتبات الكثيرة المنتشرة في ايطاليا، كما ان الجدل يأخذ شكلاً آخر عند المحدثين الذين يرون ان ادخال تعبيرات مبتكرة وخاصة تلك التي تتحدث عن مستجدات العصر لا يشوه اللغة بل يثريها، الا ان خوفهم من غزو الثقافة الامريكية التي فرضت حضورها على مختلف مناحي الحياة اليومية يشكل هاجساً عند هؤلاء. ويتندر الكثير من الايطاليين، على اتهام اصحاب اللغة للجيل الجديد الذي لا يعرف عن لغته الاصلية شيئاً، ويشيرون الى ان اصحاب الامر انفسهم لا يفقهون لغتهم ولا يحاولون التحدث بها، في اشارة الى اعضاء البرلمان الذين تخلو اغلب خطبهم واحاديثهم حتى من الامثال القديمة. آخرون من جيل المثقفين يرون ان ذلك ليس الشماعة التي يجب ان يعلق البعض عليها الاخطاء، وعلى الجيل الجديد ان يتعلم لغته الاصلية، فالتردي الذي يشهده تعليم اللاتينية ليس له أي مبرر، ويؤكدون على أنه ليس مطلوباً من جيل الشباب ان يتعلم لغة يوليوس قيصر أو أن يخطب كما يخطب شيشرون، بل تكون هذه اللغة بمثابة المرجع أو القاموس اللغوي الذي يعصم ألسنتهم عن الشطط. ورغم ذلك تظل الايطالية لغة رومانسية جميلة تستمد عذوبتها من تاريخ قديم وحضارة متوارثة، ويظل شعبها متباهيا بأنه سليل القيصر. وما دمنا في ايطاليا علينا ان نقول «غراتسي» وان نأكل البيتزا، وأن نردد مساءً «بوناسيرا» وأن نمتطي قطار اللغة السريع، وعلينا كذلك ان نتباهى بأننا اصحاب لغة عظيمة وبيان وكتب قديمة لن تندثر إلى أبد الآبدين.