من المستحيل افتراض البراءة في قادة تلك الفئة اللبنانية الذين يشنون حملة سياسية تدعو الى تصفية الوجود العسكري السوري من الارض اللبنانية في هذا الظرف الاقليمي بالغ الحرج. هي دعوة مشبوهة بحسابات التاريخ والحاضر والمستقبل، لا يمكن في كل الاحوال فصمها عن النوايا والاهداف الاسرائيلية تجاه لبنان وسوريا معا. لقد جاءت الضربة الاسرائيلية الجوية قبل بضعة ايام لموقع عسكري سوري في منطقة «ضهر البيدر» وكأنها رجع صدى خارجي لذلك الصوت النشاز المنبعث من الداخل اللبناني للمطالبة باخراج القوات السورية من لبنان. وفي تبريرها لتلك الضربة الجوية تقول اسرائيل: ان المقاومة الشعبية اللبنانية المتمثلة في «حزب الله» تستمد سندها الاعظم من دمشق، وبالتالي وجب ابلاغ رسالة قوية الى سوريا حتى تتوقف قوات «حزب الله» عن ممارسة نشاطها القتالي ضد اسرائيل. وهذا بالضبط ما تريده ايضاً تلك الفئة اللبنانية التي تنادي باخراج القوات السورية ولأن تلك الفئة ليس بوسعها، انطلاقاً من دوافعها الطائفية، المطالبة بوقف نشاط منظمة قتالية وطنية فإنها تتخذ من الدعوة الى تصفية الوجود السوري غطاء، وفي كل الاحوال فإن هذا الصوت الطائفي يتناغم تماماً مع الصوت الاسرائيلي. ان الحجة الاساسية التي تستند اليها هذه الفئة في مطالبتها الالحاحية باخراج السوريين، هي ان الوجود العسكري السوري في الاراض اللبنانية لم يعد له مبرر بعد جلاء القوات الاسرائيلية الاحتلالية عن ارض الجنوب اللبناني. ومن الواضح انه اذا تحقق فعلاً خروج القوات السورية فإن قادة الفئة المذكورة سوف ينتقلون الى مطالبة اخرى، هي ان يلقي «حزب الله» السلاح نهائياً ليتحول الى منظمة سياسية تدخل المنافسة الحزبية المحلية بالاساليب السياسية السلمية. ولا يحتاج المرء الى ذكاء غير عادي ليدرك الهدف المشترك الخفي من هذه الحجة الذي تلتقي عنده الاستراتيجية الاسرائيلية تجاه لبنان مع طموحات السيطرة الداخلية للفئة الطائفية المشار اليها، فالمطلوب هو اضعاف القوى الوطنية الاسلامية في معادلة الصراع الداخلي اللبناني. ان التاريخ القريب لايزال حياً في الاذهان العربية يعمل مع الحاضر. فالجنرال ارييل شارون الذي امر الان بضرب موقع عسكري سوري داخل لبنان بصفته رئيس وزراء اسرائيل، هو نفسه الجنرال شارون الذي امر قبل نحو 20 عاماً بصفته وزير الدفاع باجتياح لبنان من حدوده الجنوبية الى بيروت العاصمة. لقد كان الهدف الاسرائيلي المعلن في عام 1982 هو تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان. اما الهدف وراء الهدف، والذي اثبته المؤرخون الغربيون لاحقاً، فقد كان احداث تعديل في التركيبة الديمغرافية اللبنانية من منظور ديني بإلغاء العنصر الفلسطيني من المعادلة السكانية نهائيا.. لصالح قيام دولة لبنانية تدخل في تحالف استراتيجي ابدي مع اسرائيل. هذا التاريخ القريب يخبرنا ايضاً ان الفئة المشار اليها، اذ تواطأت في ميدان القتال الداخلي مع قوات الاجتياح الاسرائيلي فانها عزفت عن المشاركة في اي مقاومة وطنية لاحقاً ضد الاحتلال الاسرائيلي لارض الجنوب. واذا كان التاريخ القريب يخبرنا ايضاً ان عملية ذبح الآلاف من المدنيين الفلسطينيين العزل في معسكر صبرا وشاتيلا عام 1982 جرت وفق تدبير اجرائي مسبق شارك فيه الجنرال الاسرائيلي الغازي ارييل شارون مع تلك الفئة، فإن الدعوة المشبوهة التي تتناغم فيها تلك الفئة مع شارون الآن تثبت ان التاريخ يمكن ان يعيد نفسه. احمد عمرابي