فجأة.. وفى لمح البصر.. شعرت بصدمة مباغتة.. ومؤلمة.. ومخيفة.. وكأننى ارتطمت بسيارة مسرعة.. لم أعرف من أين جاءت؟.. أو الى أين اختفت؟.. كل ما عرفته فى تلك اللحظة هو أن أستاذة (علم الاجتماع) الجامعية التربوية، العقلانية التى درست فى (الولايات المتحدة الأمريكية) أهدتنى نسخة من مذكراتها مع (الجن) الذين عاشوا فى رأسها وفى بيتها أكثر من 18 سنة.. وأن هذه المذكرات نشرتها دار نشر محترمة. كنت على وشك الحوار فى ندوة جمهورها يمثل شرائح راقية واعية فى المجتمع عندما قدمت لى الدكتورة (نادية..) أستاذة الاجتماع نسخة من كتابها الأخير الذي تحدثت فيه عن تجربتها مع الجن وقرأت عنوان الكتاب أكثر من مرة حتى تأكدت أن نظرى لم يتعرض الى خداع.. وأن نظارتى الطبية ليست فى حاجة الى تغيير.. خاصة وأننى أعرف أن (الدكتورة) شهيرة بأبحاثها عن حقوق المرأة والتنمية البشرية والمشكلات السكانية.. وكتاباتها التي فاز واحد منها بجائزة وزارة (الثقافة) كأفضل كتاب فى البحوث الاجتماعية عام 1998. لم أستطع أن أمسك فضولى.. ورحت أقرأ الكتاب قبل النوم.. ولم تكن فكرة مريحة.. فكل صفحة من صفحات الكتاب يسكنها (عفريت).. وبين السطور تلعب (الشياطين).. وتقفز.. حتى شعرت أحيانا أنها تركت الصفحات وراحت تعبث بما حولى.. لكنها لم تستطع أن تمنعني من البحث عن السؤال الذى دفعنى لقراءة الكتاب بعد ساعات قليلة من وصوله الى يدى.. كيف انتقلت أستاذة (جامعية) مهمتها تشريح ظواهر (الخرافة) و(الغيبية) الى أن تصبح هى نفسها حالة (مزمنة) من حالاتها؟.. كيف تحولت من التشخيص والتفسير وتقديم العلاج الى المرض والبحث عن الدواء والشفاء؟ إن حياة الدكتورة (نادية...) كما تقول بنفسها هى سلسلة متصلة من التمرد.. تمرد على سلطة الأب الذى كان يحرمها من الثياب الكاشفة عن الأنثى فى داخلها.. وتمرد على سلطة الأم التى كانت تحرمها من قراءة القصص المثيرة فى أيام الدراسة والمذاكرة.. وتمرد على سلطة الخوف الذى كان يوحى لها بوجود (عفاريت) فى بيتها البعيد.. فى ضاحية (حلوان) الهادئة قبل أن تتحول الى منطقة صناعية تغطيها سموم أبخرة صناعتى الحديد والأسمنت.. لكن هذا التمرد سرعان ما تحول الى استسلام عندما آمنت أن الصداع الذى يسيطر عليها بجنون وبلا علاج هو (جنى يعبث برأسها) ويحرمها نعمة النوم والسكينة. لقد هاجمها فجأة ذلك الصداع (الرهيب) فى خريف 1982 وعجزت كل الأدوية المحلية والمستوردة عن علاجه أو التخفيف من قسوته أو رفع أظافره عن رأسها.. فكان أن عرفت قدماها وهى الأستاذة المتخصصة فى التحليل والمنطق وإعمال العقل وربط النتائج بالأسباب (طرقات وسراديب ودهاليز عالم الخرافة والغيبيات).. اقتحمت هذا العالم الذى بلا قاع وبلا جدران ولا يعرف فيه المرء رأسه من حذائه عندما يأست من الطب ويأس الطب منها.. عندما (وقف العلم عاجزا عن انتشالها من طوفان الألم الهادر).. لكن.. هذا العالم بدا لها (كالباب الدوار يأخذك ليعيدك مرة أخرى من حيث أتيت).. وينتهى الى نفس نقطة البدء التى بدأت منها. إن علاقتها بهذا العالم قديمة.. قبل الصداع.. وقبل الدوران حول الذات فى الباب الدوار.. لقد انتشرت فى الستينيات ظاهرة روج لها (أنيس منصور) هى تحضير الأرواح بالسلة.. نافست لعبة شهيرة انتشرت فى تلك الفترة أيضا هى لعبة طوق (الهيلا هوب).. ومثل البنات فى سنها جربت الرقص ب(الهيلا هوب).. وتحضير الأرواح بالسلة التى كانت تستخدم فى حمل الخضروات والفاكهة قبل اختراع (أكياس البلاستيك).. لقد بدأت علاقتها بهذا العالم المجهول بهذه اللعبة.. اللعبة كبرت معها.. وتحولت الى كارثة.. ومأساة.. وهددت مستقبلها العلمى والجامعى. والغريب أن أمها التى لم تحصل على (الدكتوراه) ولم تسافر الى (الولايات المتحدة الأمريكية) لتطلع على أحدث طرق التفكير العلمى اعتبرت محاولاتها الصغيرة لتحضير الأرواح بالسلة هو نوع من الكفر.. واستخدم الأب من جانبه الآية القرآنية: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى).. فكأن الأجيال التى سبقتنا كانت أكثر وعيا وفهما واستيعابا للحياة منا.. لقد دفعتنا الى العلم والعقل والجامعة والمعرفة والدراسات العليا.. لكن.. ذلك بالنسبة لنا كان مجرد قشرة لامعة.. مجرد أن زالت حتى كشفت عما بداخلنا من استسلام لا مقاومة منه للخرافة.. مهما حاولت الدكتورة أن تقدم لنا فى كتابها من أدلة على وجود ظواهر خارقة فى العوالم السفلية الخفية. والمثير للدهشة أنها تعرف تفسيرا طبيا لحالتها.. فهى تقول: أنها تعانى من وجود ضلعين زائدين عند الرقبة وأنهما يضغطان على الأعصاب المتصلة بالذراعين.. وأجرت جراحة خطيرة ونادرة لاستئصال هذه الضلوع.. وتخلصت من الألم.. ولكنه عاودها بصورة أخرى.. وكان تفسير الأطباء هذه المرة أن جهازها العصبى اللاإرادى يعانى من الاكتئاب النفسى.. وحاولت إقناع جهازها العصبى اللاإرادى بأن الحياة حلوة فابتلعت أنواعا مختلفة من أقراص أمريكية حصلت عليها أثناء منحتها الدراسية فى جامعة (ويست فرجينيا).. لكنها لم تنجح.. فبدأت رحلتها الغريبة.. بدأتها بزيارة المعالجين الروحانيين والأضرحة.. ثم وجدت نفسها تسقط فى ذلك العالم الذى بلا قاع.. وفى تلك الرحلة المثيرة والطويلة والمتشابكة فى عوالم (الخرافة) تعرضت (عالمة الاجتماع) الخبيرة والمتمكنة من علمها الى ما أهان عقلها.. فقد أقنعها أحد (المشعوذين) بأنها تعانى من (عمل) وأن عليها أن تحضر (حلة) وتملأها وتغطيها.. وبعد أن قرأ ما قرأ ثلاث مرات.. وجدت الماء الصافى يصبح طينا لزجا يسقط فى حجرها.. وفى تلك اللحظة اختفى الصداع.. ولكنها عرفت أن هذه الطريقة يلجأ اليها بعض (المشعوذين) لعلاج أصحاب الحاجات بالإيحاء.. فقد عرفت من صديقة لها أنها عاشت نفس التجربة مع (مشعوذ) آخر.. فى رحلتها للبحث عن طفل تنجبه وعجز الأطباء عن منحها الفرصة للحمل به. وفى مرة أخرى كادت أن تغتصب.. لقد ذهبت الى (دجال) أنيق وعصرى يسكن فى حى (المهندسين) بالقاهرة.. وقد طلب منها الاسترخاء والهدوء وفك عضلاتها ورخرخة جسمها حتى تستطيع أن تحصل على العلاج الذى يشفيها.. ولم يكن من الصعب على (دكتورة) مثلها أن تكتشف الى أين ينتهى هذا العلاج.. فهبت من مكانها.. وجذبت جسدها بعيدا عنه.. ورفعت قبضتها من ظهرها.. وغادرت الشقة.. وهى تصرخ: (إيه اللى بتعمله ده؟).. (مش عايزة أخف.. مش عايزة أخف.. إن شالله عمرى ما خفيت). وفى مرة ثالثة ذهبت الى مشعوذ لا يتردد فى طلب المال من المترددين عليه.. لقد مد يده الى كتاب اصفرت أوراقه واهترأت أطرافه ثم أخذ يبسمل ويحوقل ويتمتم بكلمات غير مفهومة.. وفتح الكتاب على إحدى صفحاته بسكين صغير كان موضوعا فوق الكتاب ثم تناول ورقة بيضاء وناولها فى يدها وفتح زجاجة صغيرة مليئة بسائل أحمر وأسقط منه عدة قطرات فى منتصف الورقة وطلب منها أن تقوم بتطبيقها أربع مرات وأن تضغط عليها بأصابعها بينما كان مستمرا فيما يقول ويتمتم.. وبعد أن تاه فى شبه غيبوبة لعدة دقائق انتفض فى مقعده فجأة وفتح عينيه المغلقتين وكأنما استعاد وعيه.. ثم طلب منها أن تفتح الورقة.. وفتحت الورقة التى ارتسم فى وسطها شكل أقرب الى الرسوم السريالية بسبب تشبع الورقة بالسائل الأحمر بطريقة غير منتظمة.. وهب المشعوذ واقفا فى رعب وهو يطوح بيديه الهواء بينما كان يقول فى فزع وكأنه رأى جنيا أمامه: (حوش يا حواش).. وأخذ يتابع بإصبعه الشكل المرتسم على الورقة قائلا: (شوفى بعنيك العفريت اللى لابسك.. آهه حاطط رجليه الاثنين حوالين رأسك ومش عايز يسيبك فى حالك). وطلب منها عربونا 100 جنيه (ليبدأ الشغل).. وشعرت الدكتورة بالسخرية من نفسها وهى تقود سيارتها عائدة الى بيتها فى (مصر الجديدة).. فقد كان (العفريت) السريالى المرسوم باللون الأحمر كما اكتشفت بنفسها هو تجسيد لما يسمى باختبار (روشنباخ).. أحد الطرق المتبعة فى التحليل النفسى.. حيث تعرض بقعة من الحبر الأحمر على المريض ليقوم بتفسير الشكل الذى يراه أمامه وبناء على هذا التفسير يستطيع المعالج النفسى أن يعرف بعض جوانب شخصية المريض. على أنه رغم ما كشفته دكتورة الاجتماع فى رحلتها الغريبة فإنها تؤمن بأن ما يجرى فى هذا العالم من أساطير خيالية هو حقيقة أحيانا.. لقد سمعت من صديقة لها أنها كانت تشعر أن جنيا يلتصق بها ليلا.. ويمسك بها وكأنه آدمى يترك علامات أصابعه على جسدها.. وأنها تخلصت منه بواسطة راهب خبير فى ذلك.. لقد أوقد الراهب الشموع وأمسك بمبخرة وراح يحركها فى الهواء وهو يتمتم بالصلوات والأدعية.. ثم وضع يده الأخرى على جبين المرأة فانبعثت من جسدها جمرة نار فى حجم قبضة اليد تدحرجت الى الأرض حتى استقرت تحت قدمي الراهب الذى أسرع بتلقفها داخل قمقم معدنى أعده خصيصا لذلك.. حيث قام بسرعة باغلاق القمقم وأحكم إغلاقه مستخدما لحام القصدير الشهير.. وقد عادت المرأة الى حياتها الطبيعية عدة شهور.. لكن.. (الجنى) عاد إليها مرة أخرى دون أن تعرف كيف خرج من (القمقم)؟.. ودون أن نعرف هل هى تريد جنيا بالفعل ولو فى خيالها ليؤنس وحدتها وليرضى مشاعرها.. إن معظم المراهقات والنساء اللاتى يعانين مشاكل خاصة يفضلن تخيل الجن.. وتصورن وجوده.. فلو لم يكن موجودا فإنهن سيتهمن بما هو أسوأ من معاشرة (الجن).. فالمجتمع المصرى يقبل الجن ولا يقبل أن تشعر مراهقة بتوتر ما يفرضه عمرها وتحولها البيولوجى.. ولا يقبل أن تشكو سيدة متزوجة من متاعب ما بسبب ضعف الزوج.. ومن ثم فالأفضل فى معظم هذه الحالات أن يختبئن وراء وجود (الجن).. ففى هذه الحالة لا رجل واحد سواء كان أبا أو زوجا أو شقيقا يقدر على أن يفتح فمه.. إن الكل عليه أن يطيع (الأسياد). لم تتردد تلك المرأة بعد أن هرب الجنى من القمقم فى أن تذهب الى شخص آخر ليخرجه من جسدها.. كان هذا رجلاً مسلما هذه المرة.. وكانت (الدكتورة) معها هذه المرة.. وهى تكتب بقلمها ما جرى قائلا: (قام الرجل بإجلاس المرأة قريبا منه على الكنبة وقام بقراءة بعض آيات القرآن على كوب ماء قبل أن يطلب منها تناول جرعة منه ثم أمسك بكتفها وأدارها فى مواجهتها وأخذ يحدق فى عينيها بعينيه السوداوين اللامعتين ومقلتيه الجامدتين اللتين لا تتحركان وهو يتلو الآيات القرآنية وما هى إلا لحظات حتى انهارت فى مكانها فى غيبوبة كاملة.. وأسرع الرجل يرفع أكتافها ويسندها الى ظهر الكنبة بينما تدلى رأسها جانبا وهو مستمر فى تلاوته.. وما هى إلا دقائق حتى انتفض جسدها فجأة فى نوبات متشنجة ثم خمد مرة أخرى بينما تعالى منها صوت عال وحشى أشبه بالشخير.. وإذا بنا نرى وقد غمرتنا الدهشة حنجرتها وقد بدأت فى الانتفاخ التدريجى الذى وصل الى حجم التفاحة الكبيرة وتحول شخيرها الى صراخ لا آدمى تجلت فيه كل أشكال الألم والعذاب وكأن هناك من يخنقها.. وهب الرجل واقفا وهو يطوح بيديه الهواء ويهوى بها حولها فى عنف وكأنما يمسك بسوط فى يده ويطارد ويضرب شيئا خفيا لا نراه.. وهو مستمر فى اصدار أوامره المصحوبة بأغلظ القسم واللعنات مختلطة بآيات الله القرآنية).. وهكذا خرج (الجني) للمرة الثانية من جسد المرأة.. ولا نعرف هل عاد اليها مرة ثالثة أم أنها تخلصت من متاعبها النفسية والشخصية بطرق بشرية؟.. كما أن الرجل الذى نجح فى ذلك لم ينجح فى أن يخلص (الدكتورة) من صداعها المزمن.. نجح فى إخراج (جنى) وفشل فى التخلص من (صداع). ثم تصل دراما (الدكتورة) الى الذروة عندما تنجح بعد أربعة أسابيع فى الاتصال تليفونيا بواحد من هؤلاء (المعالجين).. فقد كان الخط طوال هذه الأسابيع مشغولا.. وجاءها صوته هادئا رقيقا مطمئنا.. ولم يسألها على اسمها أو عنوانها أو رقم تليفونها.. كل ما قاله هو: (إن محاولات العلاج الروحانى سوف تبدأ).. وطلب منها أن تعاود الاتصال بعد ثلاثة أيام.. وفى الليل استيقظت (الدكتورة) على حد روايتها المكتوبة لترى فى العتمة ربما لعدة دقائق ربما لعدة ساعات عددا من الأشخاص فى ملابس الأطباء البيضاء وقد أحاطوا بها.. وتوجهت بنظرها فى سكينة بالغة الى السرير المجاور وتأكد لها أنها لا تحلم وأنها لا تعانى من خيالات أو هلاوس عندما رأت زوجها ممددا فى الفراش وقد استغرق فى نوم عميق. (وعدت لأغمض عينى فى استسلام وأنا استمع الى همهمات زوار الليل الخافتة وشعرت بأيد تمتد فى رقة الى رأسى لتدخلها فى أنبوبة كبيرة مفتوحة أو شيء أشبه بالقبة أو ذلك الصندوق الشفاف الذى يستخدم فى مراكز الأشعة المقطعية.. ووجدتنى أساعدهم فى محاولاتهم إدخال رأسى فى هذا الشيء الكائن خلف رأسى وكأنما قد تلاشى ظهر الفراش والحائط الواقع خلفه ليتركه متسعا لهذا الجهاز.. وكما استسلمت لأيديهم الحانية استسلمت لسلطان النوم وأخذنى فى سبات عميق). وفى الليالى التالية انتظرت (الدكتورة) أطباء العالم الآخر الروحانيين.. لم تنم.. وقضت ساعات من الخوف والفزع.. وجسدها يرتجف.. وفى الليلة الثالثة (انتقض جسدى وقد سرت فيه رعشة شديدة وأنا أستيقظ على تلك الأنفاس الحارة التى تهب على وجهى وانتابنى رعب هائل رغم ادراكى الكامل ووعيى بأن تلك الأنفاس كانت مصحوبة بتلاوة من آيات قرآنية أخذ يرددها كائن مجهول وفتحت عينى فى فزع وواجهنى وجه غامض الملامح يكاد يلتصق بوجهى وهو يردد آياته وأغمضت عينى بسرعة وقد ارتفع صوتى بآية (الكرسي) لأصرف بها ذلك الكائن المجهول الذى أوقع الرعب فى قلبى وحملتنى كلمات القرآن الكريم وذهبت بى فى رحلة من النوم الهادئ العميق). ورغم كل هذه المعاناة لم يختف الصداع.. أو (الجني) الذى يعبث ويعربد فى رأس (الدكتورة) الشهيرة.. أستاذة علم (الاجتماع) التى عليها تفسير وتشخيص أمراضنا النفسية والاجتماعية.. فإذا بها تضيف الى هذه الأمراض مرضا لا شفاء منه.. تأكيد الخرافة واستخدام الوسائل العلمية فى إثباتها.. ولا نملك بعد ذلك ما نعلق به. ـ كاتب مصري