الأسر التي استمرت في استقرارها لمدة طويلة لم يكن استقرارها هذا من فراغ، فالمبذول كان غاليا، وحسن العشرة كان اغلى ما فيها. فمن يظن بأنه سيعوض كل ما تركه او فاته في القطار الذي مضى، فان ظنه قد خابه وحظه قد أركسه فتناول علاج المشكلات في الاسر المستقرة، غيرها في الاسر التي شقت طريقها نحو الهدم، فالأولى اسبابها مستورة والاخرى ظهرت للعيان بعد تدخل الاصحاب والخلاّن. لذا معالجة الاولى اشد صعوبة من تناول الثانية بالشرح والتفصيل، فحديثي هنا منصب على الاولى لان استقرارها واضح لكل من يملك الانصاف في الحكم على بواطن الامور قبل ظواهرها. يتوقع البعض أن الحياة الرتيبة او النمط الذي بدأت الاسرة منذ ولادتها اذا ما اصابه شيء من التغيير، فهذا سبب قوي لعدم استمرارها، حتى لو صار ما صار. يفترض أن يكون للاسرة المستقرة اكثر من حياة، فالبدايات لها طعمها ورونقها وبهاؤها وهي تحن اليها النفوس والقلوب عند اشتداد العاطفة، وبعد دخول الاولاد في المنتصف قد يتدخل نمط من حياة اخرى في الغالب تربط الزوجين بحبل قوي وعصي على القطع، اما في الحياة الثالثة الاخرى فان نداء العاطفة والعقل بين الزوجين قد يعلو ويطالب بشيء من الاحتواء المزدوج حفاظاً على سلامة المسيرة الاسرية، فهنا تعود الحاجة الى حنكة الزوجة التي لا ترضى لاسرتها الانحدار مهما كانت الحياة الاسرية في طورها المتجدد غير مفهومة مقارنة بالايام الاولى، فهذه الايام الخوالي التي تتلهف اليها النفوس لن تعود لتغير النفوس ذاتها وفق منظومة الحياة المتطورة في سلسلتها المتواصلة، فالحفاظ على استمرار التواصل بين كل حلقات الاسرة المستقرة هو الحصانة الحقيقية وهو الحصان الرابح في آخر المضمار. د. عبدالله العوضي