على الأقل 90 بالمئة من البشر لم يصبحوا ما تمنوا ان يكونوه عندما كانوا صغاراً. السبب في ذلك هو رومانسية الحلم البريء في مواجهة الواقع القاتم. وعلى الأرجح 50 بالمئة منهم لم يعودوا يتذكرون حلمهم الأول وسط حياة طاحنة لاترحم. واذا كانت هناك نتائج لدراسات اجتماعية حول سقوط الحلم أو عدم تحققه فان عينة بسيطة من تلاميذ مدرسة مجاورة يمكن ان تفي بالغرض. لأن نصفهم يريدون ان يكونوا مثل اشخاص يعرفونهم عن كثب كالوالد أو المعلم، والنصف الآخر يريد أن يكون مثل شخص رآه في التلفزيون أو السينما وهذا على الأرجح هو شرطي يلاحق الاشرار ويزجهم في السجن أو يرديهم بالرصاص. الأحلام لا تتحقق ليس لأنها صعبة المطلب، ولكنها لا تتحقق لان المرحلة العمرية تلعب الدور الاهم في قتل الحلم. وامثلة الجوار حاضرة دائما ويمكن أن نسأل جارنا عما تمناه حينما كان صغيراً سيجيب مهنة لا يمارسها الآن أو لا يتقنها وكذلك ستقول زوجته التي أحبت ذات يوم ان تكون محامية بارعة بعد تخرجها من الجامعة، لكنها في الواقع اطلقت النار على الحلم في مطلع العشرينيات من عمرها ولتكتفي بأربعة اطفال يملأون البيت أحلاماً، وتحولت هي مع مرور الوقت الى ربة منزل في السجلات الرسمية أو الى زوجة فلان في سجلات العائلة أو الى أم فلان في عرف الجارات.. وهكذا. الاحلام لا تتحقق رغم بساطتها لان دورة الزمن تطيح بالعذوبة ولان متطلبات بناء الشخصية الاستقلالية تفرض على المرء أن يغيّر استراتيجية تفكيره قبل التوجه الى الجامعة، واذا كان ذكياً جداً فلن يسلك الطريق الى الجامعة، لأن الطريق الى دكان والده اقصر واسهل، وهذا ما يسعى اليه الآباء الأوائل الذين يريدون ان يعلموا أولادهم مهنتهم ولو امتثل الابناء لرغبة الآباء لتحققت واحدة من اهم توازنات الانتاج في المجتمع ولحدثت عملية الاستقامة في العرض والطلب ولانتهى عصر شكوى ضعف فرص العمل لاصحاب المؤهلات العليا أو على الأقل لكانت هناك مساحة فارغة في اعمدة الصحف التي تعرض لطلبات مهندسين واطباء وغيرهم من اصحاب المؤهلات العليا.. يطلبون عملاً مناسباً! عندما يكون المجتمع بحاجة الى عشرة اطباء ولكن الجامعة تقدم لهم خمسة عشر طبيباً فهذا يعني ان الخمسة الباقين سينافسون اقرانهم في عملهم ورزقهم، ويمكن ان نقيس على ذلك مئات الاعمال التي أوقعت عموم الوطن العربي في مشكلة توزيع فرص الانتاج والاستفادة ولعل احدى اهم المشكلات التي علينا معالجتها هي الاستفادة من الطاقات المهدورة التي لا تعمل في حقول اختصاصاتها فإما أن تهاجر بحثاً عن رزقها أو أن تعمل في مهن لاتتقنها فتحدث كوارث.. قد لانراها اليوم ولكننا سنورثها لأولادنا فيحصدون نتائج مشكلات لم يزرعوها اصلاً. لو برمجت أحلام الصغار في مهن المستقبل ضمن خطط مدروسة ودخلت في اقنيتها الصحيحة لكان ممكناً ان يتم تخطيط صحيح لحاجات المجتمع العامة ورغبات الفرد الخاصة، وللتذكير ليس إلا أن كثيراً من الدول الاشتراكية كانت تضع لكل طفل يتوجه الى المدرسة ملفاً لاهتماماته وهواياته منذ سن ثلاث سنوات ويرافقه طيلة حياته الدراسية، واذا لم تبرع الفلسفة الاشتراكية في حل معضلة العدالة الاجتماعية فانها على الأقل خلقت أرضية لجيل ينمي المواهب ويحصد نتائجها بشكل عام وخير مثال في المسابقات الرياضية يحصد ابناء الاشتراكية السابقة معظم الذهب ويتركون ما دونه لغيرهم.. فهل نستفيد من درسهم في هذا الانجاز على الاقل؟. حسين درويش E-MAIL:H-S-D@MAKTOOB.COM