مدرسة النخلة من أهم المدارس التي تعلم منها انسان هذه الارض في الزمن الذي غاب فيه علم التعلم وسكنت الأمية. علمته النخلة آنذاك درس الصبر، كيف يعيش ويكافح ويصبر على الظمأ والجوع والفقر ويحلم ويكبر. كيف يكون عاليا مثلها، يترفع، يكون شامخا عن كل الدنايا، أعلى من الصغائر. زرعت فيه أبجدية العطاء والخير، ومع الجميع تجود من غير ثمن منتظر. ان يكون كالنخيل لا تنتظر ان يأتيها ماء الارض، رب السماء يسقيها ويكفيها القليل، وان كل حياتها بذل وسخاء، وكذلك عندما تموت لا تترك الا المنفعة، كل اوطارها واطرافها مفيدة. وعلّمت هذا الانسان ضرورة ان تكون جذوره ثابتة في الارض كي لا يهتز ولا تقتلعه الرياح، يصعد وينحو يناطح السحب واثقا ان هناك من يحميه من الزلازل والزوابع. لهذا استحق المعلم الأمين أن تكون منزلته في قلب هذا الانسان. همّه وحبه لها فرض عليه ان يغرسها في كل ارضه كأنه يغرس بها الحب والوفاء، انها قلبه. راعي النخل لا يشعر بلظى الأرض هذه الأيام وهي تشتعل رمضاء وسخونة، لايهتم بمؤشر الحرارة الذي يقفز ولا يتحرك إلا للخط الاحمر نحو نقطة الخطر. يستقبل الصيف الجاف جداً بتفاؤل ورضا، كأنه ينتظر ان يحمل في جانب منه الرحمة. إذا لم يسرع القيظ ويأتي لهيبه مبكرا، فإن راعي النخل يصيبه القلق ويحل فيه الخوف ويتعب من بقايا برد الشتاء. لماذا ذلك؟ إذا تأخر لفح السهام، تأزمت النخلة، إن طلعها وجودة نبتها تتفاعل مع شدة الحر، كلما زادت رمضاء الارض واصبحت نسمات الفجر ساخنة، شعرت النخلة بالراحة، نشرت رائحة طلعها واخرجت مكنونها بسرعة، أمسكت وتفاعلت مع ذرات اللقاح. وسعادة الزارع عندما ينظر لها وقد اشتعى عذقها وتفرق، واخضرت اطرافه وتكورت حباته. تلك هي لحظة الفرح عنده، لا تتم الا في سهام القيظ عندما تتألق النخلة في موسمها. ولحظة زعل راعي النخل تأتي عندما تهمل هذه الرفيقة، إنه لا يرضى لها بما يشينها أو ينال منها. يخاف غضب هذه الصاحبة المقدسة. يحزن عليها إذا ماتت ويغضب لها اذا فقدت مكانتها في الارض وجهل اصحابها مراحل حياتها ولم يكرموها في موسم نباتها أو حصادها. هذا حال راعي النخيل معها في كل بقعة تزرع فيه هذه الشجرة. ما حال راعي النخيل هذا، إذا كان كل ما يملكه نخلة يتيمة. كيف سيكون حبه لها، وأين مكانها فيه؟ هذه واقعة من هونج كونج لاتزال وكالات الانباء تنقل تفاصيلها ومستجداتها، فقصة النخلة تحولت الى ازمة والى قضية انسانية. فالسيدة العجوز «مايوك» احضر لها زوجها في السنوات الاولى من العام 1950 ثماني فسلات لشجرة غريبة على منطقتهم. اسم الشجرة نخلة، اما المكان فمن مكة المكرمة. هدية غالية فيها رائحة المكان المقدس، وحدث ان ماتت الفسلات السبع وعاشت واحدة. وفي هونج كونج كما يقول الخبر لايوجد إلا نخلتان احداهما التي هي الاشهر والاكبر تملكها السيدة مايوك. تعلقت هذه العجوز بالشجرة المباركة الذي اخذت تكبر، وتذكرها دائما بالبلد الطيب وبالاسلام الذي آمنت به وحملته في قلبها، وايضا بذكرى زوجها الذي رحل وترك لها هذا التذكار الخالد. حكومة البلد لم تترك هذه العجوز في بيتها مع نخلتها يؤنس كل منهما الآخر، وقررت ان تقتلع الشجرة، اما ان تنقل الى حديقة عامة أو ان تموت، لا يهم، المهم ان تبتعد عن المكان الذي خطط لقيام شارع جديد. المهندسون هناك رفضوا فكرة تحريك الطريق قليلاً لصالح شجرة عمرها خمسون عاما، والعجوز تجاهد وتكافح ولاترضى ان تمس الحكومة خوصة من أوراق شجرتها. بكت كثيراً وأرسلت رسائل عديدة للسلطات وللمنظمات المختلفة، واستمرت في معركة عمرها اليوم 29 عاما، كل ذلك من اجل نخلة! صبرت الحكومة في السنوات الماضية اثناء الحكم البريطاني على شجرة العجوز، اما اليوم فالسلطة الصينية نفد حلمها وتصر على قطع النخلة. المملكة السعودية حاولت ان تتدخل لانقاذ الشجرة، متحملة تكلفة اقتلاعها واعادة زرعها في مكان آخر، وانها ستهدي السيدة الوفية ثلاث شتلات جديدة ومن ارض مكة. «مايوك» تقول ان حياتها ستتوقف في اللحظة التي ستقطع فيها جذور نخلتها ستعيش معها وستموت ايضا معها. حب غير عادي. انها النخلة، ساحر ملهم، ما أعظم سره.