المشهد الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية وصل إلى اللحظة المعقدة على مستويين المستوى الشعبي الذي لا يتنافى مع رؤية السلطة والمستوى العالمي الذي يجهد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في بثه عبر مختلف الأقنية ليصوره، بطريقته الخاصة وينعت السلطة والشعب الفلسطيني بالإرهاب محاولاً أن يقدم من خلال هذا المفهوم جرعة جديدة لضمان تأثيرات عالمية ضد الانتفاضة الفلسطينية ولكي يتبرأ من تهمة الإرهاب التي ما زالت تلاحقه حتى عالمياً. ولعلنا إذا أردنا أن نرسم صورة دقيقة لما يجري في الأراضي الفلسطينية فإننا نستطيع تلخيصها بومضات تعبر ببلاغته عن نفسها من قمع الشعب الفلسطيني الأعزل بأحدث الأسلحة الأمريكية والصهيونية الى قلع الأشجار الى الحصار بكل أشكاله وإلى التجويع بل الى اغتيالات تطال الفلسطيني في منزله، وآخر هذه الومضات كان حرباً حقيقية شنها شارون على خان يونس ورفح بالطائرات والدبابات والجرافات. ارهاب شارون وقرارات القمة ولعل اكتمال كل هذه المشاهد يأخذنا إلى مجموعة من الحقائق تبدأ بالطريقة التي اعتمدها شارون حديثاً وتنتهي بالظروف المحيطة بالمنطقة والعودة الى المفاوضات. فشارون ركز ضرباته على الفلسطينيين بتوقيت دقيق حيث بدأ بعد انتهاء القمة العربية بل في اليوم ذاته من انتهائها، ليقدم رداً مباشراً على قراراتها، واختار قصف مخيم خان يونس في غزة بتوقيت ثنائي الدقة الأول ليرضي التطرف الإسرائيلي والثاني ليرضي تطرفه. فالمعروف أن الحاخام عوفاديا يوسف الزعيم الروحي لحزب شاس قد صرح قبل يومين من القصف الإسرائيلي قائلاً: «إن العرب مجرمون وأشرار ولابد من ضربهم بالصواريخ بقدر ما نستطيع حتى تدميرهم». ولم يكتف شارون هنا بالصواريخ بل استخدم الدبابات والجرافات لهدم أكثر من ثلاثين منزلاً فلسطينياً في ذلك المخيم الفقير الذي لا يحتوي سوى المنازل؟! وجاء التوقيت الثاني عشية الإعلان عن اجتماع أمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ليكون مقدمة الأمن الإسرائيلي ذلك القصف، بل لعل القصف قد طال أيضاً المفاوضين الفلسطينيين وهم في طريقهم إلى الاجتماع التمهيدي عند حاجز إريز وتعرضت سلامة المفاوضين للخطر، والاجتماع للتذكير كان تحت رعاية أمريكية. وفي اختيار شارون المكان دلالة أخرى، فمخيم خان يونس يسكنه الفلسطينيون الذين هجروا في حرب النكبة 1948 من أراضيهم وهم بذلك ما زالوا يحلمون بالعودة إلى ديارهم ومنذ التهجير يشكل هذا المخيم شوكة في حلق إسرائيل فقد انطلقت منه مجموعة من العمليات الفدائية بين أعوام 1948 ـ 1967 وكان الأكثر صموداً في حرب 1967 واستمر معقلاً للمقاومة بعد احتلاله وعانى شارون نفسه من مقاومة أهله في السبعينيات فحاصره محاولاً إخراج الفدائيين منه، وفي الانتفاضة الأولى انطلق حجر من يد أحد شبانه وكاد أن يصيب رأس رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين. ضوء أخضر أمريكي خان يونس هذا المخيم البسيط المقاوم أراد شارون أن يدخل من خلاله في لعبته السياسية على حساب شعب ذلك المخيم المشرد منذ عام 1948، فهل قصفه وقصف غيره من المدن والقرى الفلسطينية دلالة على عدم أمن إسرائيل؟ الواقع أن انطلاق مقولة الأمن ومحاولة تصوير الانتفاضة الفلسطينية بالإرهاب وهو مصطلح درج في الغرب وألصق بالعرب والمسلمين حتى أنه أصبح مرعباً بالنسبة للكثير من دول الغرب وشعوبها دون فهم واضح لما يجري حقيقة وهو أن هذا المصطلح ينطبق أشد الانطباق على إسرائيل التي تقتل وتذبح وتحاصر وينطبق تماماً على شارون وما قام به من مجازر ضد الفلسطينيين وما يقوم به الآن. ولكن يبدو أن التلاعب في حقيقة هذا المفهوم أخذ قوته من الولايات المتحدة عبر سلسلة كبيرة من زعمائها، فقد كان يعتقد أنه لن يأتي رئيس للبيت الأبيض يدعم إسرائيل أكثر مما دعمها الرئيس السابق بيل كلينتون، لكن الحقيقة تبدو الآن أشد قتامة مع الرئيس الحالي جورج بوش وهو لا يزال في بداية الطريق ويبدو أن «المكتوب مبين من عنوانه»، كما يقول المثل العامي. فالولايات المتحدة استخدمت حق «الفيتو» ضد مشروع قرار في مجلس الأمن لإرسال قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني. وبذلك فقد أعطى الرئيس بوش الضوء الأخضر لشارون. ورغم أن السياسة الأمريكية قد أعلنت مراراً عبر دبلوماسيتها أنها لن تكون وسيطاً مباشراً لعملية السلام، إلا أنها هرولت باتجاه الاجتماع الأمني الذي عقد بحضور سفيرها مارتن أنديك. والواضح هنا أن الضوء الأخضر الذي أخذه شارون من بوش لم يكن إلا عربوناً مبدئياً من الإدارة الأمريكية لشارون ودعماً مباشراً لإسرائيل دون النظر الى ردات الفعل التي يمكن أن تصدر من خلال جزار تعرفه الولايات المتحدة جيداً. وتعرف بأن مطالبته المستمرة بأمن إسرائيل لا تغدو سوى أكذوبة مكشوفة يندهش حين يسمعها أي مسئول أمريكي ويتساءل باستغراب هل حقاً إسرائيل تعاني من خطر فلسطيني؟! إذا سوف نزودكم بكل ما تطلبون!! (هذه هي صورة الحكومة الأمريكية الآن). ويبدو هنا أن شارون نفسه يصدق كذبته فهو يريد العودة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين وعلى مزاجه وأسلوبه، يقبل ما يراه مناسباً من الاتفاقات ويرفض غير ذلك ليتمسك بإعلان شرم الشيخ ويريد المتابعة به لأن هذا الاجتماع وما دار فيه كان ينصب على الأمن بشكل رئيسي ويرفض العودة الى كامب ديفيد لأن فيه ما يشير إلى الأرض. ويطلق أفكاراً جديدة ولكن بعد أن يقصف الأراضي الفلسطينية حيث يرى أن قصفها وحصارها إرضاخ للسلطة كي تقف عاجزة أمامه وتوقف الانتفاضة وكأن ذلك في يدها حقيقة. ولعل ذلك جاء واضحاً بتصريح دوري جولد مستشار شارون حين قال عن العملية العسكرية في خان يونس: «إنها تندرج ضمن خطة شاملة لحض عرفات على تغيير استراتيجية» أو بتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر: «ليس في نيتنا العودة إلى المنطقة (أ) نريد العودة الى طاولة المفاوضات» والمنطقة «أ» هي المنطقة التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية بشكل تام. وأعطيت للفلسطينيين بموجب الاتفاقيات الموقعة لكنها لا تشكل تطبيقاً كاملاً لتلك الاتفاقيات. سلبية الموقف العربي إذن يبدو النهج الذي يسير عليه شارون مستلهماً وقبل كل شيء من الأحزاب الدينية الإسرائيلية المتطرفة التي انتخبته لرئاسة الوزراء وثانياً من الإدارة الأمريكية وثالثاً من خلال نمط الدعم العربي المحدود للانتفاضة، فقد خفت في الآونة الأخيرة صوت هذا الدعم وقرارات قمة عمّان لم تبدأ بشكل واقعي في فعلها الحقيقي بل لعلها قد نسيت بين أكداس من القرارات، مما دفع الإدارة الأمريكية الى تجاوز العرب في سياستها والتركيز على دعم إسرائيل اللامحدود، ويمكن فهم هذا التجاوز من خلال اضمحلال ردات الفعل العربي على كل ما تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، فالرئيس الأمريكي جورج بوش يعي تماماً أن مصالحه في الوطن العربي هي مصالح كبيرة جداً ومهمة بشكل كبير بالنسبة للولايات المتحدة ولكن هذه المصالح عندما يبقى العرب خارج اطار الفعل السياسي فإن بوش لا يتوانى في دعمه لإسرائيل ما دامت مصالحه عند العرب مؤمنة بشكل كبير ولم تتعرض لأية هزة من هزات المنطق السياسي الفاعل، فالولايات المتحدة لم تجد حقيقة أي تهديد لمصالحها لذلك تمضي بأسلوبها بينما العرب لا يلوحون مجرد تلويح ضد المصالح الأمريكية التي يجب الآن أن تكون مهددة عربياً بشكل منطقي يبدأ بإعلان مقاطعة مبدئية على المنتجات الأمريكية وينتهي بسلاح النفط. وضمن هذه الإشكالية فالملاحظ أن الانتفاضة الفلسطينية هي المهددة الآن وتهديدها يأتي أولاً من شارون وأسلوبه القمعي في إطفائها وثانياً من دعم الولايات المتحدة وثالثاً من اللجوء الى الحوارات الأمنية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والتي تشير بدايتها إلى محاولة إجهاض الانتفاضة. وهنا نتذكر المستوى التاريخي في فهم السياسة الإسرائيلية، فالمعروف أن مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو كانا تحت حجارة الانتفاضة وتوقفت بعد أوسلو مما دفع الحكومة الإسرائيلية لتقديم رضاها عن أوسلو وما أفرزه مما يؤكد أن الاجتماعات الأمنية التي بدأت تلوح في الأفق تشير بشكل ما الى تغير في نمط الانتفاضة، وهذا التغير محكوم بعوامل داخلية في بنية استمرار الانتفاضة يبدأ بتدهور الاقتصاد الفلسطيني وحالة الجوع التي يمر بها المواطن في الأراضي الفلسطينية والتي تحاصره في لقمة عيشه تفرض عليه مجموعة من المعطيات أولها البحث عن لقمة العيش تلك في ظل الحصار وانهيار البنية التحتية في الأراضي الفلسطينية وحالة اللامبالاة في دعم الانتفاضة عربياً والتي انتقلت بدورها الى الشارع العربي، فعندما بدأت شرارة الانتفاضة اشتعل الشارع العربي من محيطه إلى خليجه داعماً بكل الوسائل المعنوية والمادية واستمد الشاب المنتفض قوته من لهيب الشارع العربي الذي شجعه كثيراً ومن الوعود بالدعم الاقتصادي الذي سمعه من الحكومات العربية ومن اللجان المنبثقة عن اجتماع قمة القاهرة الطاريء. ولكن أين ذلك الآن وأين الدعم العربي للانتفاضة الفلسطينية؟! ومن المفيد أن يتدارك العرب الأمر قبل أن يقع، فعدم دعم الانتفاضة يعني عاجلاً أم آجلاً انهيارها فلا يمكن الصمود أمام مجمل الضغوط التي تعانيها، لذلك قد تبرر السلطة الفلسطينية لنفسها اللجوء الى المفاوضات الأمنية كما تمليها عليها إسرائيل حين تصل الانتفاضة الى حد الاجهاد وذلك بعد أن تفقد الدعم العربي المطلوب وعلى جميع مستوياته، وتتداخل الاتهامات من جديد بين العرب أنفسهم مما يجعل شارون يصل الى مبتغاه الرئيسي وهو قمع الانتفاضة ممهداً بالاجتماعات الأمنية وبعد ذلك يحاول فرض شروطه على الفلسطينيين بعد أن يقدم مشروعه بشأن اتفاق مرحلي طويل الأمد لا يحقق أي اتفاقية نهائية للسلام. ـ كاتب فلسطيني