وأخيراً فهمنا مغزى البيانات المبكرة التي صدرت عن الإدارة الأمريكية الجديدة حين «انتقد» وزير الخارجية كولن باول سياسة الرئيس السابق بيل كلينتون تجاه الشرق الأوسط ليعلن بعد ذلك ، «عدم التدخل» كمرتكز اساسي وسياسة بديلة للرئيس جورج بوش الابن. فعدم التدخل كما اتضح على الصعيد التطبيقي الآن بكل جلاء مرعب يعني دون اعلان او ضجة اعطاء الجنرال شارون ضوءا اخضر أمريكياً بشن حرب ابادية ضد العرب ابتداء بالشعب الفلسطيني ومن بعده مباشرة سوريا ولبنان. ومع دخول الدبابات والمدرعات الإسرائيلية إلى قلب غزة لاعادة احتلالها متناغمة مع أزيز الطائرات المروحية وهي تقذف بأرتال من الصواريخ على منشآت السلطة الفلسطينية وقصف الطائرات النفاثة الضخمة هدفاً سورياً وتحليقها فوق بيروت منذرة بضربة مقبلة على أهداف لبنانية لاندري تحت اي بند يمكن ان نصنف بيانات رسمية عربية مازالت تتحدث عن «خيار السلام الاستراتيجي». شروط اللعبة تغيرت. وليس هذا القول استنتاجا تجريدياً. انه قول صادر رسميا عن الحكومة الإسرائيلية. ففي اعقاب الغارة الإسرائيلية هذا الاسبوع على موقع عسكري سوري في الاراضي اللبنانية ـ وهو الفعل الأول من نوعه منذ نحو 20 سنة ـ أعلن المتحدث الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية رعنان جيسين ان «على سوريا والفلسطينيين ان يفهموا ان هناك حكومة جديدة في إسرائيل وان شروط اللعبة تغيرت». هذا كلام ليس بحاجة إلى تفسير أو تأويل. لقد كفانا ارييل شارون هذه المؤونة، ليس بالعبارة اللفظية الناجزة القاطعة فحسب، بل، وأهم من ذلك، باتباع القول الفصل بفعل ميداني ينفذ بأقصى درجات القسوة والوحشية. إسرائيل الشارونية اذن تشن حربا مكشوفة على العرب بضوء اخضر من الولايات المتحدة اعطى اشارته جورج بوش الى ارييل شارون مباشرة عندما دعي الاخير رسميا الى زيارة واشنطن قبل بضعة اسابيع. فكيف يستقيم ان تواصل جهات عربية رسمية تسويق «السلام خيارنا الاستراتيجي»؟ وكيف تتحدث هذه الجهات عن «اعادة عملية التفاوض الى مسارها» بينما يجري ضرب غزة برا وجوا وبحرا؟ لقد وقعت الواقعة. والحرب الاسرائيلية المكشوفة التي تطلق عليها كل من تل ابيب وواشنطن معاً وبنفس اللغة «مكافحة الارهاب» هي حقيقة مرئية لكل من يجلس الى تلفزيون على مدار الاربع والعشرين ساعة. الحكومات العربية اذن على مفترق طرق تاريخي يفرض عليها نبذ سياسة تسويق السلام الوهمي نهائيا. واذا كان ليس من المعقول مطالبة الحكومات العربية بالرد على الحرب بحرب تقليدية تواجه فيها جيوش عربية جيش العدو فإنه ليس من غير المعقول مطالبتها مناصرة اخوان يخوضون مقاومة شعبية.. لا بالكلمات وانما بامدادات السلاح.. فهذا ما تحتاج اليه الان كل من المقاومة الوطنية الفلسطينية والمقاومة الوطنية اللبنانية. وعلى خط مواز مطلوب من الحكومات العربية ايضاً قطع كل العلاقات القائمة مع الدولة اليهودية بما في ذلك العلاقات الدبلوماسية والاسراع باعادة الحياة الى نظام المقاطعة العربية لاسرائيل. ان شارون ومن ورائه كل القوى السياسية الاسرائيلية، قد اعتمدت منهج القوة العارية كاختبار قوة مع العرب. ومراهنته العظمى في هذا الاختبار هي ان شن الحرب سوف يقابل برد فعل سلبي على صعيد الحكومات العربية. والان يقع على عاتق الحكومات العربية تاريخيا ان تبرهن لشعوبها ان مراهنة شارون مبنية على حساب خاطئ. احمد عمرابي