تعيش أمريكا اللاتينية حالة من التناقض تجعلها اقرب إلى روايات الواقعية السحرية التي يكتبها كتابها منذ الستينيات وغزوا بها العالم، ومع ذلك تفشل الحالة «الاقتصادية السحرية» في غزو أي منطقة من العالم، بل تفشل في مجرد حماية نفسها من الأزمات العالمية التي تجعلها ترتعد أمام مجرد الإشارة إلى أزمة تصيب اصغر بلد في العالم، حتى لو كان اقتصاد ذلك البلد من الاقتصاديات المهمشة، والدليل على ذلك الرعب الذي أصاب الحكومة والاقتصاد في الأرجنتين عندما انهارت «الليرة» التركية قبل أسابيع قليلة، على الرغم من بعد المسافة بين البلدين. وربما كانت الحالة الغريبة التي تنتمي إلى الواقعية السحرية في الأدب والفن اكثر من انتمائها إلى عالم الاقتصاد، تتجسد في الاجتماع الذي عقده «بنك التنمية الأنتر أمريكي» المختص بشئون التنمية في أمريكا اللاتينية، والمخطط الرئيسي لاقتصاديات تلك الدول وواضع معظم سياساتها، بل وله تأثير يقرب من تأثير صندوق النقد الدولي في تلك الاقتصاديات، حيث جرى عقد ذلك الاجتماع في العاصمة التشيلية سانتياجو الأسبوع الماضي، وكانت الصورة غاية في الدهشة: «مسئولو الاقتصاد في دول أمريكا اللاتينية داخل قاعات مسرح العاصمة التشيلية يتبادلون الكلمات والأنخاب والآمال ويضعون الخطط لاقتصاد زاهر خلال العقود المقبلة، بينما تقف الفرقة الموسيقية السيمفونية أمام مدخل المسرح تعزف احتجاجا ضد نقص الإمكانيات والموازنة التي تجبرها على تقليص نشاطها، وعلى الطرف الآخر من الميدان المقابل يتحصن جنود البوليس خلف متاريسهم ودروعهم وسياراتهم المصفحة لحماية أنفسهم من هجوم القذائف الورقية التي كانت تنهال من جماهير المتظاهرين، الذين يرددون هتافات ضد المجتمعين، باعتبار أن بنك التنمية الانتر أمريكي يعتبر أحد أدوات القمع الاقتصادي التي تحتمي خلف شعارات العولمة لتزيد من متاعب الشعوب في دول أمريكا اللاتينية لصالح الدول الصناعية المتقدمة». الحقيقة أن نظرة فاحصة على الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها كل دول أمريكا اللاتينية تصيب المراقب بالحيرة الشديدة، ففي الوقت الذي تعيش فيه معظم حكومات تلك الدول على الاستجداء والديون لتغطية عجز ميزانياتها، وهو عجز مرعب بكل المقاييس، حيث اقترضت حكومة مثل حكومة الأرجنتين، قبل أسابيع قليلة، أربعين مليارا من الدولارات من صندوق النقد الدولي وبعض البنوك الخاصة الأخرى لتغطية عجز موازنة عام واحد، ومحاولة دفع خدمات الديون الخارجية القديمة (؟!)، نجد أن تلك الدول تشكل مصدرا رئيسيا من مصادر المواد الخام للدول المتقدمة صناعيا، وفي الوقت نفسه تعتبر سوقا ضخمة لمنتجات تلك الدول المتقدمة صناعيا، أي تبيع ثرواتها الخام بثمن بخس وتشتريه مصنعا بثمن باهظ، بكل ما يشكله هذا من ديون تأتي من فارق السعر بين الخام والمصّنع. تشكل مجموع دول أمريكا اللاتينية سوقا ضخمة عدد مستهلكيه يفوق 500 مليون مستهلك. لكنها سوقاً خادعة لأن معظم هؤلاء لا يملك ثمنا لأي سلعة من السلع، لأن حوالي 220 مليونا من سكان تلك الدول يعيشون في حد أدنى من السلم الاجتماعي والاقتصادي، وخدمات الدولة لا تكفي لتغطية احتياجات معظم هؤلاء بأي شكل من الأشكال، ولو أخذنا التعليم مثالا، وهو حاجة أولية من اكثر الخدمات تأثيرا في حياة شعوب تلك الدول، لوجدناها خدمة دون المستوى بكثير، حيث تؤكد الإحصائيات الرسمية أن عدد المعلمين في تلك الدول لا يكاد يصل إلى عشرة ملايين معلم، وهو رقم دون حاجة تلك المجتمعات بكثير. بالمقابل نجد أن حوالي 10 في المئة من سكان تلك الدول يعيشون في حالة من الرفاهية، أي يستمتعون بكل الناتج المحلي، يضاف إليه استمتاعهم بجزء كبير من الخدمات التي تستدين الحكومات لتغطية نفقاتها، أي تلك الفئة تعيش على الاقتصاد بجميع جوانبه ولا تدفع مقابلا، بل من يدفعون المقابل في النهاية هم فقراء تلك الدول ليزداد حرمانهم على حرمان. لكن هناك سؤال يطرح نفسه دائما عند طرح قضية الاقتصاد وأوضاعه في أمريكا اللاتينية: من المسئول عن هذه الأوضاع؟ الإجابات مختلفة، ولكنها تصب جميعها في اتجاهين: الأول سوء التخطيط الذي تتخبط فيه حكومات تلك الدول، والثاني الظروف الراهنة التي يعيشها الاقتصاد العالمي، الذي تطور في الربع الأخير من القرن العشرين، واصبح يصب في خزائن الدول الغنية والمتقدمة صناعيا. سوء التخطيط يكمن في تلك السياسات التي تتخذها الحكومات سواء على مستوى التخطيط الداخلي الذي يغرق الاقتصاد في حالة من الفوضى، التي يشجع عليها الفساد المالي والإداري، الذي يجعل أموال الشعب تضيع في النهاية فيما لا طائل من ورائه، ما بين نهب وسلب وعمولات تزيد من تكلفة المنتجات المستوردة، إضافة إلى سوء مواصفاتها وسوء توزيعها. وسوء التخطيط أيضا عند اتخاذ القرارات لمواجهة الأزمات الوطنية بتحالفات خارجية، سواء كانت ثنائية أو ثلاثية أو جماعية، وبنظرة سريعة نجد أن التحالفات في دول أمريكا اللاتينية غريبة ومتشابكة، بل وبعضها يتعارض مع البعض الآخر. في الوقت الذي تنتمي فيه المكسيك إلى الاتحاد التجاري «نافتا» الذي يجمعها مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في سوق مفتوحة أو حتى شبه مفتوحة للتبادل التجاري والمالي، نجدها تدخل في تحالفات اقتصادية آخرى مع كل من فنزويلا وكولومبيا، وتسعى أيضا للانضمام إلى تحالفات أخرى قائمة في وسط وجنوب أمريكا اللاتينية. الأمر نفسه ينطبق على الأرجنتين التي تعتبر أحد دعائم سوق الجنوب «ميركوسور»، التي تضمها مع البرازيل والاوروجواي وتنتسب إليها التشيلي، وفنزويلا التي تدخل في اتفاقيات اقتصادية مع كل من كوبا وغيرها من الدول لتشكل تجمعا اقتصاديا موحداً، يتزعم رئيسها هوجو تشابث قبل أسبوعين تحالفا جديدا يجمع بلاده مع المكسيك وكولومبيا، ثم يسعى جميعهم للتحالف في إطار مجموعة «السوق الأمريكية اللاتينية الحرة»! لو نظرنا إلى الأوضاع الخارجية التي تؤثر سلبيا على أمريكا اللاتينية لوجدناها كثيرة، بل ومؤثرة على اقتصاديات والحياة الاجتماعية لتلك الدول اكثر من التأثير السلبي لتخبط حكوماتها وعشوائية تخطيطها الاقتصادي. فقد عانت اقتصاديات دول أمريكا اللاتينية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي حالة من الأزمات المتلاحقة التي ازدادت حدتها بحلول التسعينيات، وأدت في النهاية إلى إصابة معظم عملات تلك الدول بأزمات أدى إلى فقدانها لمعظم قيمتها وتحولت إلى عملات تابعة للدولار في سوق النقد العالمي. وربما كانت أزمة «البيزو» المكسيكي عام 1994، ومن بعدها الأزمة البرازيلية من أكثر الأزمات وضوحا، ولكن تلك الأزمات كانت ردود أفعال لأزمات خارجية نتجت عن الحركة المحسوبة لرؤوس الأموال العالمية، وفي إطار مصرفي محسوب كانت له غايته المعروفة التي تصب في مكاسب الشركات العابرة للحدود والقارات، مثل أزمة جنوب شرق آسيا وتداعياتها التي أثرت سلبا على معظم دول الجنوب المتخلف، وبشكل خاص في أمريكا اللاتينية، دون أن يكون لها تأثير يذكر على اقتصاديات دول الشمال المتقدم. في هذا الإطار أيضا تملك دول الشمال المتقدم مفاتيح الاستثمار في دول الجنوب ومنها دول القارة الأمريكية اللاتينية، ولو تتبعنا حجم الاستثمارات الأجنبية القادمة من دول الشمال المتقدم خلال الربع الأخير من القرن الماضي والسنة الأولى للقرن الواحد والعشرين لوجدناها معبرة. فقد كانت تلك الاستثمارات الأجنبية، أي القادمة من دول الشمال الغني، وان كان بعضها أموال لدول الجنوب ترقد في خزائن بنوك الشمال، تتنامى خلال سنوات طويلة حتى وصلت عام 1998 إلى 99 مليار دولار، لتنخفض بعد ذلك عام 1999 إلى 71 مليار دولار، ووصلت عام 2000 إلى 65 مليار دولار فقط، و هناك مؤشرات على أنها آخذة في الانخفاض خلال العام الحالي (هذه الأرقام مأخوذة من تقرير بنك التنمية الانتر أمريكي). أيضا نجد أن تلك الاستثمارات الأجنبية القادمة من بنوك الشمال تبحث فقط عن الربحية بغض النظر عن مساهمة أنشطتها في إقامة اقتصاد حقيقي، حيث تركز نشاط تلك الاستثمارات خلال تلك السنوات الأخيرة من القرن الماضي على شراء الشركات العامة المعروضة للخصخصة، وبدلا من تنشيطها لخلق فرص عمل جديدة تعمل على تخفيف حدة المعاناة الاجتماعية، قام بتطبيق قواعد السوق الحرة عليها، مما نتج عنه مزيد من البطالة التي هي في حد ذاتها مشكلة مزمنة في تلك الدول. لذلك فان اجتماع «بنك التنمية الانتر أمريكي» لم يقدم جديدا يضاف إلى أوضاع اقتصاديات أمريكا اللاتينية في اجتماعه الأخير في العاصمة التشيلية، سوى المزيد من الدعاية لأحلام بالرفاهية والتفاؤل بالمستقبل باتت بعيدة عن أحلام الليل، التي يعيشها البسطاء على أمل قضاء ليل حالم حتى لو جاء اليوم بكوابيس مواجهة الحياة اليومية بكل ما فيها من معاناة. ـ كاتب مصري مقيم في إسبانيا