عندما تطغى الماديات على حياتنا، تنزع من قلوبنا معاني الرحمة، وتحجب عن العيون رؤية الحقيقة، وتدفعنا الى حافة الجنون عند أول منعطف، وتجعلنا نقع ضحايا وفريسة لليأس القاتل عندما تواجهنا، مشكلة من مشاكل الحياة المادية، وتصبح اي خسارة مالية أو فقدان منصب مرادفاً للانتحار، وكأن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف. ومع تنامي وحش العولمة الكاسر، وتشيؤ الانسان، وانكساره داخل قفص الحاجيات اليومية ولهاثه المثير للاسى وراء رغبات نهمة لا تشبع، لتكريس الثروة أو لتكريس سطوة القوة والسلطة بكل معانيها، يفقد الانسان بعده الانساني وأفقه الاخروي، الذي يمنح لحياته معنى وقيمة، ويجعله رهانه مشروعاً نحو الخلود. وأحدث مظاهر طغيان آفة التشيؤ وسحق ادمية الانسان، ما تشهده المجتمعات الاوروبية حاليا من جدل ساخن حول مايطلقون عليه «القتل الرحيم» أو قتل الشفقة اشتقاقا من رصاصة الرحمة التي يطلقها الجندي على خيل الحكومة عند بلوغه ارذل العمر، وهو تقليد نشاز لم تعرفه مجتمعاتنا العربية التي تمجد «الخيل» وتجعلها رمزاً للمجد والفروسية. ويسعى الاوروبيون من اضفاء مشروعية القتل الرحيم للمرضى الميئوس من شفائهم، الى تحرير ضمائر القتلة من تأنيب الضمير، واظهارهم في مظهر إنساني يخلص ضحاياهم من المعاناة في آخر أيامهم. ورغم وجود اصوات في اوروبا تعارض التشريع الهولندي الاخير للقتل الرحيم، إلا أن الظاهرة تبقى شاهداً على مأساة الحضارة الانسانية عندما تسجن نفسها في حدود حياتنا الدنيا، وتفصلها عن افقها الاخروى، وتنزع عنها فكرة العقاب والثواب الالهي الذي يصون للانسانية قيمها، ويجعل الانسان مسئولا عن افعاله بوازع داخلي، يفوق في سطوته كل ما تعرفه كل اجهزة الرقابة الامنية والسياسية من قوة ردع. والاخطر في «القتل الرحيم» انه يتعامل مع «الانسان» كحالة وشيء، وليس ككيان من روح وعقل ووجدان، ويتحدى قدرة خالق وواهب الحياة وحقه في سلب الحياة وقتما يشاء. ولأن الحديث بالحديث يذكر استرجعت قصة أحد كبار المسئولين العرب الذي يكرس وقته رغم كثرة مشاغله لرعاية والده المسن اطال الله عمره، وبدأب وحب يسهر على تلبية كل حاجياته وهو راض ومؤمن بانه يوفي بعضا من ديونه لمن حمله رضيعاً، وتحمل نزواته طفلاً وصبياً، وهذا الفرق بين حضارتنا بقيمها الانسانية وبين عولمة الغرب المتوحشة. سيد زهران