سؤال يبدو ساذجا لو سألته لنفسك أو لغيرك خارج الولايات المتحدة.. طبعا، الأمريكي هو الأمريكي الذى يسكن الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تحكم العالم كله أو تتحكم فيه في هذه السنوات التي أصبحت الكرة الأرضية، فيها وحيدة القطب تماما. وقد يضيف البعض شيئا من السخرية على من يطرح هذا السؤال. وأنا شخصيا لم يكن هذا السؤال يخطر على بالى قبل إقامتى الطويلة لعدة مرات في الولايات المتحدة. ولكننى اكتشفت مع تتابع زياراتى إلى الولايات المتحدة، وتدريسى المتكرر في جامعاتها، أن السؤال مهم إلى أبعد حد، وأنه مطروح على الأمريكيين أنفسهم، ويتجدد طرحه كلما تجددت مشاكل التعددية العرقية والثقافية والدينية التي تتميز بها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لا توجد على هذا النحو من الضخامة والكثافة والقوة في أى مكان آخر إلا فيها. ومعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تقطنها أجناس متعددة، وقوميات متباينة، ومن ثم تنتشر فيها لغات ولهجات عديدة. وقديما، كان الرجل الأبيض القادم من أوروبا على وجه التحديد هو الأصل، هو الأمريكي بألف لام التعريف. ولم يكن هذا الرجل الأبيض يسمح لغيره أن ينازعه الصفة الأمريكية، ذلك على الرغم من أن هذا الرجل الأبيض كان في أصله مهاجرا، قدم إلى هذه الأرض بحثا عن موطن جديد، وعن حياة واعدة، ولم تكن الهجرات القديمة قاصرة على هذا الرجل الأبيض وحده، فإلى جانب هجراته، كانت هناك هجرات موازية ومصاحبة من الصفر والسود وغير ذلك من ألوان الأجناس. ولكن حين اكتملت السيطرة والسيادة لذلك الرجل الأبيض، الأوروبى الأصل، أصبحت صفة الأمركة صفة ذات لون أبيض وذات أصل يشير إلى أوروبا التي كان الاعتزاز ببعض أقطارها سببا في تسمية مناطق متجاورة من العالم الجديد باسم نيو إنجلندا، واستخدام الأسماء البريطانية في الأغلب الأعم للدلالة على المناطق الجديدة في العالم الجديد. هكذا تكونت النخبة الحاكمة من أصول بريطانية غالبة، إلى جانب خليط من الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم من المهاجرين. أما السود الذين تحولوا إلى عبيد، أو الذين استجلبوا بوصفهم عبيدا للعمل في المزارع والمصانع، فقد ظلوا في منزلة العبيد، حتى بعد الحرب الأهلية التي كان من أسبابها تحرير العبيد. وظلت الأجناس الأخرى: الآسيوية الأصل، والأفريقية الأصل، والقادمة من أمريكا اللاتينية، بل من الدول الأوروبية الفقيرة، ظلت هذه الأجناس في الدرجات الأدنى من سلم الحقوق المدنية. ولم يكن أمام أصحاب الجنسيات المضطهدة سوى الدفاع عن حقوقهم الإنسانية المشروعة، والكفاح العنيف للحصول على هذه الحقوق، وقد نجحوا في ذلك بدرجات متفاوتة، فأصبح الدستور الأمريكي لا يميز بين المواطنين تمييزا عرقيا أو دينيا أو ثقافيا أو إجتماعيا، وأهم من الدستور أصبحت المؤسسات المختلفة تعمل على الغاء هذا التمييز، وتأكيد المعانى الإيجابية للتعددية، وهى المعانى التي لا تميز بين الأمريكي الأبيض أو الأمريكي الأسود أو الأمريكي الأصفر، أو غير ذلك من أصناف البشر الذين لا حصر لجنسياتهم الأصيلة في الولايات المتحدة.. وبالطبع، يمكن لأى قادم، أو زائر إلى الولايات المتحدة الأمريكية أن يقابل في كل مكان أمريكيين من أصول مختلفة وأجناس متباينة وديانات متباعدة وثقافات متصارعة أو متجاورة، ومع ذلك فكلهم لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات. وأتصور أن هذا الزائر سيقع في ورطة هائلة لو خاطب أحد الأمريكيين السود مستخدما كلمة (نجرو) بدل كلمة (أسود)، أو أظهر بعض التمييز في معاملته الأمريكيين الذين هم من أصول هندية أو باكستانية أو يابانية أو صينية أو أفغانية.. الخ. ولا شك أن هذا الزائر سوف يتحدث عن مباهج التعددية وإيجابياتها، وسيتمنى (لوكان عربيا مثلا) أن يحصل على الحقوق السياسية التي يحصل عليها الأمريكيون السود. والأطرف من ذلك أن المعنى التقليدى للأقليات قد اختلف، فالأجناس التي ليست من أصول أوروبية لم تعد هي الأقل عددا، بل تتزايد أعدادها بشكل أكثر إثارة للإنتباه عاما بعد عام. ولقد لاحظت شخصيا أن المبنى الذى أسكن فيه، وهو مجمع يضم ثلاث عمارات متجاورة، يشكل اللون الأبيض الخالص فيه الأقلية العددية، وأن الأغلبية لذوى الأصول الآسيوية بوجه خاص. وهى ملاحظة لا تبدو مفزعة للنسق الأمريكي الذى يتميز بالمرونة الفائقة المقرونة بالنزعة العملية الخالصة في التعامل مع عناصر التعددية العرقية والدينية التي تتكون منها المنظومة السكانية، فطالما كان هذا العنصر أو ذاك يحقق الفائدة، ويضيف بالإيجاب للمنظومة الأمريكية، فالاستقبال التشجيعى أمر حتمى إلى أبعد حد. ولكن تحت هذه الصورة الجميلة، البراقة، تكمن ملامح سلبية لا تخلو حتى من التمييز العنصرى والدينى والثقافي. هذه الملامح السلبية لا تراها العين العابرة، وإنما العين الفاحصة التي تلمح ما يبدو صغيرا وهامشيا بالقياس إلى الملامح المركزية الأساسية الجاذبة. هناك بعض المناطق في الجنوب الأمريكي لاتزال تعامل السود بوصفهم الجنس الأدنى، جنس الخدم، ولقد لاحظت بنفسى في غير الجنوب، في مدينة فيلاديفيا مثلا، كيف تنقسم جغرافية المدينة لتميز بين الأحياء الراقية التي يسكنها (الواسب) البيض البروتستانت الأوروبى الأصل والاحياء الفقيرة التي يسكنها السود الفقراء. وفي مدينة فيلاديفيا نفسها، من ولاية بنسلفانيا، وهى مدينة إبراهام لنكولن، الجامعة الغنية هى جامعة الأكثرية البيضاء، جامعة بنسلفانيا، أما الجامعة الفقيرة بالقياس لها فهي جامعة تمبل التي تقع وسط مناطق السود، وأكثريتها من الطلاب السود. ولا أزال أذكر هذه الواقعة الدالة التي حدثت لى منذ سنوات في مدينة بوسطن عاصمة ولاية ماساشوستس. فقد ذهبت مع صديق أمريكي ممن يطلقون عليهم اسم (الواسب) وهو أبيض من أصل إيطالى وبروتستانتى في الوقت نفسه. وذهبنا إلى محل معروف ومشهور لاشترى معطفا أنيقا للشتاء. وكان المحل يتميز فعلا بأناقته وفخامته وارتفاع أسعاره الرهيبة. واثناء حديثنا مع البائع الأبيض، دخلت صديقة لنا تعمل في جامعة هارفارد، وبصحبتها صديقها الأمريكي الأسود، فاستقبلهما البائع بفتور غير ظاهر، نجح في أن يخفيه إلى درجة أننى لم ألحظ نفوره إلا بعد أن خرجت المرأة البيضاء، وصديقها الأسود، فهتف البائع من منخريه معلنا تأففه بعبارة (نفاية بيضاء) White trash وكانت دهشتى بالغة، عندما لاحظت أن صديقى الأمريكي (الواسب) يومئ برأسه كما لو كان يعلن موافقته على ما قاله البائع. وقد دفعتنى هذه الواقعة إلى التحديق عميقا في تفاصيل الصورة التي تبدو بهيجة جدا عن التعددية العرقية والدينية والثقافية، حيث يسهل جدا أنها تعددية يحكمها عنصر مهين هو ثقافة البيض ذوى الأصول الأوروبية، وأن هذه التعددية باقية ما ظلت تصب في المنظومة السياسية الاقتصادية التي تتحكم فيها المجموعات الحاكمة. ولذلك يندر أن يحصل أمريكي أسود أو أصفر على منصب مرموق. ولم تعرف جامعة هارفارد مثلا إلى اليوم رئيس جامعة أسود اللون، وقل الأمر نفسه في حكام الولايات وشاغلى المناصب القيادية وأصحاب الشركات العملاقة متعددة الجنسيات. وقل الأمر نفسه في كل شئ في الحياة الأمريكية، حيث التسوية من حيث الظاهر بين الجميع، ولا فارق بين أمريكي أبيض أو أصفر أو أسود إلا بالعمل الذى يدر المال، لكن على مستوى العلاقات الاجتماعية، التميزات الدينية، الممارسات الثقافية، فالأمر مختلف في التفاصيل الدقيقة والصغيرة والدالة، التفاصيل التي قد تدفعك مثله إلى أن تطرح السؤال الذى بدأت به هذا المقال: من هو الأمريكي؟!. وستكشف لك الإقامة الطويلة في الولايات المتحدة أنها ليست جنة الله على الأرض، وأن هناك من التمييز العنصرى والعرقى والدينى والثقافي ما يجعل سؤال الهوية الأمريكية مطروحا إلى اليوم، ومتصاعدا مع تصاعد ما يسمى دراسات التعددية العرقية الثقافية.