لقد طرح كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة، نفسه مرشحاً لولاية ثانية في قيادة المنظمة العالمية، وذلك بعد أن كان مفهوماً «ضمناً» أنه لن يفعل ذلك، لأنه جاء مرشحاً عن القارة الأفريقية التي استكملت حظها في القيادة لدورتين متتاليتين بدأتا ببطرس غالي وانتهتا بكوفي عنان. ولكن حقّ لكوفي عنان أن يطرح نفسه مجدداً بسبب ما حقق من نجاحات في قيادة تلك المنظمة صعبة القياد. والنجاحات التي حققها كوفي عنان قلما تحققت لغيره ممن تعاقبوا على قيادة تلك المنظمة، من ركنوا الى تحقيق الأجندة الخاصة بهذه القوى أو تلك من غير اعتبار لمبدأ الانصاف الذي تأسست تلك المنظمة أصلاً لأجل إرسائه وإقراره بين العالمين ومن هنا جاء فشلهم وتأرجحهم وقلة تقدير الناس لهم. الخبرة الضافية لقد توفرت عناصر كثيرة أسهمت في تحقيق النجاحات التي لم يُصبها أي من الستة أمناء الذين سبقوا عنان. ولعل أهم ذلك هو العنصر الذي انفرد به عنان عن الأمناء السابقين، فعنان جاء الى القيادة من خلال تصاعده المتدرج على الهيكل الإداري للمنظمة العالمية. فهو لم يكن غريباً عنها، ولا طارئاً عليها، بل قضى في خدمتها أكثر من نصف عمره، حيث التحق بها في 1962 موظفاً بقسم الشئون المالية، وإدارياً بمنظمة الصحة العالمية بجنيف، ثم بوكالة الأمم المتحدة الاقتصادية لشئون أفريقيا بأديس ابابا، ثم التحق بقوات الطواريء بالاسماعلية، ثم وكالة شئون اللاجئين بجنيف وعمل على اثر ذلك مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة للإدارة وشئون الأفراد، ثم مساعداً للأمين العام لشئون الأمن، ثم لشئون التخطيط والميزانية ثم رئيساً لفريق الأمم المتحدة للتعامل مع العراق في شأنين اثنين أولهما إجلاء الموظفين الأجانب والرهائن قبيل حرب الخليج، وثانيهما قيادة وفد المفاوضات لإقناع العراق بقبول صفقة النفط مقابل الغذاء.. وقبيل تعيينه سكرتيراً عاماً للأمم المتحدة، شغل عنان منصب مساعد الأمين العام لشئون عمليات حفظ السلام، حيث ترافقت فترته تلك مع نمو ملحوظ في حجم تلك العمليات ووصل عدد قواتها في 1995 الى نحو سبعين ألف جندي من 77 قطراً، عملوا تحت قيادته، لتنفيذ عمليات متعددة لحفظ السلام. وخلال تلك الفترة عمل عنان مبعوثاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة في البوسنة والهرسك، ورغم سوء أداء قوات حفظ السلام هناك، إلا أن أداء عنان شخصياً لم تشبه شائبة. الفكر التنموي تلك التجارب والخبرات كانت مستندة على أساس تعليمي سليم. إن الأمناء السابقين لم يتح لأي منهم أن يتوفر على تجارب تعليمية متنوعة كالتي أتيحت لعنان الذي درس العلوم التطبيقية باكراً في حياته بجامعة العلوم والتكنولوجيا ببلاده غانا، ثم درس الاقتصاد بولاية مينسوتا الأمريكية، وتابع دراساته العليا في الاقتصاد بمعهد الاقتصاد الدولي بجنيف، ثم معهد ماساشويتس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة. وأجاد خلال ذلك الانجليزية والفرنسية، وأرسى أساساً علمياً متيناً لفكره التنموي الذي يعتقد المراقبون أنه أحد أهم موجهات عمل الأمم المتحدة. وفي ظل ذلك الفكر التنموي اتسع نطاق الأجندة التي تركز عليها المنظمة الدولية، لتتعدى قضايا الحروب والنزاعات الدولية، وتخص بالاهتمام الأكبر الشئون الإنسانية الملحة كضرورة إكمال جميع أطفال العالم للتعليم الابتدائي بحلول 2015، مع التركيز بصفة خاصة على تعليم البنات لردم الهوة بين مستوى تعليمهن وتعليم الأولاد، والإسراع بإلحاق أبناء العالم الثالث، بعصر الانترنت، وتدريبهم على استخدام تكنولوجيا المعلومات، واستخدام تلك الوسيلة بالاضافة لغرضها التعليمي العام، لغرض آخر خاص هو مكافحة عدوى الايدز، وقد وجه عنان المنظمة لاستحداث وسائل أخرى لرفع مستوى التنمية في عدد من الأقطار «تصل نسبة سكانها الى 22% من سكان العالم» حتى يزداد دخل الفرد فيها، الى أعلى من مستواه الحالي، الذي لا يكاد يزيد على دولار واحد يومياً، وأهم تلك الوسائل إيجاد فرص عمل لشباب تلك الأقطار في خارجها حتى ينالوا خبرات أعمق ويحققوا دخولاً مادية أعلى، ينعكس عائدها على أقطارهم. وهذه الاهتمامات ونظائر شتى لها، جعلت من عنان ممثلاً جديراً للمدخل الأحدث في فهم العلاقات الدولية، هو المدخل «العالمي» المناهض للمدخل «الواقعي» المقتصر في معالجاته على قضايا الحروب والنزاعات، باعتبارها القضايا الحقيقية التي تستحق المعالجة، اما في نظر المدخل العالمي فإن القضايا والمشاكل أكثر من أن تحصى، وأعقد من أن تبسّط بالطريقة التي يبسط بها المدخل الواقعي. النزاهة الشخصية في كل المهام التي أسندت الى عنان تهيأ له ان يحقق فيها نتائج مرتضاة، وقد نال بأدائه التقدير والاستحسان من كل الأوساط المهتمة بشئون المنظمة العالمية، وحتى في خلال الفشل الكارثي المشهود لقوات حفظ السلام بالأمم المتحدة، لا سيما خلال سقوط سيبرتشيا، فإن عنان خرج نظيف اليد، وانصب جل النقد على أداء الأمين العام السابق للمنظمة الدولية، أما عنان فقد قيل فيه على لسان أحد كبار الدبلوماسيين الأمريكيين «انه كان (الوحيد) من بين رؤوس الأمم المتحدة، الذي خرج من تجربة البوسنة ومأساتها، كريماً نظيف اليد، ومن غير ان يؤذي سمعة الأمم المتحدة، أو يسيء لعلاقاتها بالقوى الأخرى». إن نزاهة عنان تتبدى خير ما تتبدى في أمرين آخرين. أولهما: اجتراؤه على جسم المنظمة الوظيفي المترهل بالبتر والحذف، فبيروقراطية الأمم المتحدة الأسطورية، ومرتباتها وامتيازاتها الخرافية، أصبحت في العقد الماضي مثار تعليقات وسخريات الصحفيين المطلعين على خفايا تلك الدهاليز. وكانت تلك المرتبات والامتيازات تستهلك القسم الأعظم من الميزانية، ولم يكن أحد يجرؤ على مواجهة تلك البيروقراطية المتنامية والمتعاظمة، حتى جاء عنان فلم يجامل أحداً، رغم أنه كان زميلاً قديماً للكل، واستطاع بذلك الاستقطاع ان يستنقذ للمنظمة مورداً مالياً كان مهدوراً. ومما يجدر ذكره ان عنان ـ مدفوعاً ـ بفكره التنموي ـ وجه بتخصيص جزء كبير من ذلك المبلغ المستنفد لصالح عدة مشاريع تنموية بدول أفريقية. واهتمام عنان بشئون الدول النامية هو الذي أدى به لنقد «العولمة»، التي قال إنها برغم ما فيها من وعد براق، إلا ان فوائدها الحقيقية لا تُجنى الا في الدول الرأسمالية الكبرى، وحتى في هذه الأقطار فإن فوائدها لا تتوزع بنسق متساو أو معتدل. وإذا كان ذلك هو شأن بعض الدول الرأسمالية الكبرى مع مشروع العولمة، فما بالك بصغار دول العالم الثالث، وهي دول صغار من كل النواحي، لا سيما من ناحية الاتصالات، حيث ان اكثر مواطنيها لا يمتلكون في منازلهم اجهزة هاتف، دعك عن اجهزة الكمبيوتر! وهكذا ففي كل مرة يبدي عنان اهتماماً فائقاً بدول العالم الثالث محاولاً انصافها وتقديم مزيد من الخدمات لها وما كان أبلغ رسالته التي وجهها لمجموعة دول الثماني الصناعية المتقدمة لعمل شيء ما من اجل العالم الثالث، وما كان أبرع اقتراحاته بإصلاح نظام مجلس الأمن لجعله أكثر تمثيلاً وديمقراطية واستجابة لحاجات العالم الثالث بدلاً من اقتصاره على الاستجابة لحاجات «بعض» اعضائه الدائمين فقط. لقد برهن عنان مراراً وتكراراً انه ليس مجرد موظف وحسب، ولا تابعاً تبعية عمياء لتوجيهات من وظفوه، وانما هو مفكر له مواقف، وانتصاف ونزاهة يسطع بها تاريخه العملي الطويل في حقل الدبلوماسية الدولية، وهي كلها مزايا أهلت ترشيحه لفترة تالية لقيادة المنظمة الدولية وإصلاحها وجرها أكثر الى ميدان النصفة والاعتدال. أكثر من مثالي لقد سئل كوفي عنان مرة عما إذا كان شخصاً مثالياً، وهي تهمة يتهرب منها الناس في الغرب البراجماتي، فأجاب: أنا لست مثالياً وحسب، وانما مثالياً حالماً كثير الآمال.. وأضاف قائلا: ان المرء بلا مثال ولا حلم ولا أمل، لا يستطيع ان يجابه مشاكله فكيف بالقضايا المتراكبة والمستعصية التي يتحتم عليّ مواجهتها انني بدون ذلك لا أستطيع ان انجز شيئاً ذا بال لأكثر من ثلاثة مليارات إنسان. إن تلك هي مزية أخرى تضاف الى مزايا كوفي عنان التي تعزز ترشيحه لتولي الأمانة العامة للمنظمة العالمية للفترة المقبلة. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي، الولايات المتحدة