التعذيب هو الثقافة الأمنية السائدة في جهاز السلطة في بلدان العالم الثالث. لكن هل يعني ذلك أن دول العالم المتقدم بريئة ونظيفة؟ هذا الأسبوع طالعت أحدث تقرير لمنظمة العفو الدولية. وما أن تشرع في القراءة تدرك على الفور أنك لست مقبلاً على تقرير تقليدي يسرد أحداث خرق حقوق الإنسان في أنحاء العالم الثالث. إنه تقرير مخصص للدول الصناعية المتقدمة، وبوجه أخص الولايات المتحدة. بل، وان تخصص التخصص هو محور التقرير. فهو مفرد لشيء اسمه «تجارة أدوات التعذيب». نعلم أن العصا أو الكرباج هما من أدوات التعذيب التقليدية التي تستخدم ضد المعتقلين السياسيين في سجون العالم الثالث. لكن تقرير منظمة العفو يتناول شيئاً مختلفاً تماماً... فهو ينحصر في منتجات صناعية ذات تكنولوجيا متقدمة مثل أدوات الصعق الكهربائي، مما تتخصص فيه مصانع لشركات معينة في الولايات المتحدة وأوروبا. ومن ثم تدعو المنظمة إلى حظر انتاج هذه الأدوات والمعدات وإيقاع عقوبات على الشركات المنتجة التي لا تستجيب. ومن المفارقات أن أدوات التعذيب المتقدمة هذه محظور استعمالها أو تداولها تجارياً داخل الولايات المتحدة لكن تصديرها إلى «أسواق» خارجية لا يشمله الحظر! فوزارة التجارة الأمريكية مخول لها إصدار تراخيص تصدير للشركات المنتجة تحت تصنيف «معدات للحد من الجريمة». وبهذا الغطاء القانوني تبلغ قيمة الصادرات الأمريكية لأدوات التعذيب مئات الملايين من الدولارات سنوياً. ويفيدنا تقرير منظمة العفو أن من بين أبرز زبائن هذه «السلع» المصنعة إسرائيل ودول عربية. وهنا تبرز مفارقة أعجب، فالولايات المتحدة صاحبة أقوى صوت يتردد صداه حول العالم في شأن حقوق الإنسان في بلدان العالم الثالث. ولكن إذ تصدر وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً كل عام عن حالة حقوق الإنسان في العالم تسمي فيه دولاً بالاسم وتسرد تفاصيل وقائع من بينها ممارسات تعذيب المعتقلين والسجناء السياسيين، فإن وزارة التجارة الأمريكية تسمح قانونياً بتصدير معدات التعذيب المصنّعة إلى حكومات تلك الدول. وهذه الازدواجية البشعة لا تقتصر على المجال التجاري. فحكومات الدول التي تصنف أمريكا كحكومات صديقة انطلاقاً من منظومة المصالح الاستراتيجية الحيوية للولايات المتحدة، هذه الدول تتلقى عوناً فنياً منتظماً من الحكومة الأمريكية في المجال الأمني بموجب برامج تدريب متقدمة للكوادر الأمنية. وبالإضافة الى أن هذه البرامج تشمل فنون الاستجواب والتجسس على الحياة الخاصة للمشتبه بهم من المعتقلين فإنها تشمل أيضاً التدريب على أحدث وسائل التعذيب بأحدث الوسائل التكنولوجية. يبقى إذن تساؤل: من أي منطلق تنطلق الضجة الأمريكية العالمية بشأن حقوق الإنسان وخروقاتها خارج حدود الولايات المتحدة؟ وهذا السؤال يفضي بدوره إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما تتصادم المباديء الأخلاقية المثالية التي تبشر بها دولة عظمى كالولايات المتحدة مع المصالح الحيوية لتلك الدولة؟ إن تقرير منظمة العفو الدولية يعطينا أحدث صيغة لأحدث إجابة عن هذا السؤال. فمن أجل أن تواصل شركات صناعية أمريكية جني أرباح متعاظمة من تجارة غير أخلاقية تضحي الولايات المتحدة بالمبدأ المثالي لصالح رأس المال ليبقى التبشير بالمبدأ مجرد ممارسة دعائية جوفاء. إن من بين ما يفيدنا به تقرير المنظمة العالمية معلوماتياً أن هناك 86 شركة داخل الولايات المتحدة تنتج أو تسوّق أجهزة الصدمات الكهربائية التي تسستخدم لغرض التعذيب. وهذه الحقيقة البسيطة تنسف الحملة الأمريكية العالمية حول حقوق الإنسان من أساسها.