«قالت القاضية النمساوية: إن السود لا يبدون مختلفين عنا لأنهم مختلفون عنا بالفعل بحكم ما يصدرون عنه من نزعة عدوانية...»! في سياق المبحث الذي ما برح يشغلنا في سياق هذه الأحاديث، علينا أن ننبه في تكرار متجدد إلى أهمية الوعي بأزمة المياه وشحة الموارد المائية التي ندعو قومنا ونحن جزء من العالم إلى التحسب لها واتخاذ كافة الأسباب والإمكانات لمواجهتها سواء بترشيد استخدام مواردنا المائية أو بمحاولة تعظيم الإفادة من الموارد الحالية المتاحة في وطننا العربي من خلال سبل شتى منها بداهة المعالجة والتدوير بمعنى إعادة الاستخدام وتحويل كميات المياه العادمة إلى موارد متجددة من المياه الصالحة للاستخدام، ناهيك عن محاولة استكشاف مكامن مائية جديدة وتوظيف ما يمكن من استثمارات طائلة من أجل الوصول بعمليات تحلية مياه بحارنا إلى حيث تصبح كلفتها اقتصادية ومجزية من حيث العائد. وفيما أشرنا في حديث سابق إلى قضية التزايد السكاني بوصفها مشكلة يتعين على عالمنا أن يتصدى لها. فقد وافتنا أنباء الساعات الأخيرة بما أعلنته إدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمانة العامة للأمم المتحدة في أحدث تقرير صادر عنها من أن أزمة المياه لم تعد مجرد مشكلة محسوبة على مستقبل مرتقب أو حتى منظور، بل باتت ـ كما أكدت المنظمة الدولية ـ مشكلة حالّة (بتشديد اللام) بمعنى أنها ماثلة بل محدقة ناشبة براثنها ـ كما قد نقول ـ أخذة بخناق ثلث سكان العالم ممن يعيشون في الوقت الحالي في دول تعاني بالفعل نقصاً حاداً وشحة مستحكمة في موارد المياه اللازمة لأغراض الزراعة والانتاج وصحة الإنسان بل وبقاء الإنسان. وفي هذا الإطار أيضاً، تفيد أحدث الاحصاءات التي أعلنتها شعبة السكان بالأمم المتحدة في نيويورك بأن الإسقاطات الإحصائية ترسم اثنين من السيناريوهات أو التصورات المستقبلية الديمغرافية: .. الأول: سيناريو متفائل بأن ثمة انضباطاً سوف يتبعه نمط الزيادة المفرطة في سكان العالم بما يؤدي إلى حفظ التوازن ولو إلى حد ما بين البشر والموارد. في اطار هذا السيناريو يصل سكان العالم إلى نحو 8 مليارات إنسان في عام 2050 وعليك خير. .. الثاني: سيناريو متشائم يقول بأن الانفلات السكاني سوف يواصل جموحه بما ينجم عنه مزيد من الخلل بين الناس ومواردهم، والناس، كما لا شك تعرف. مأمورون بأن يخططوا لحياتهم بوصفهم أعلم بشئون دنياهم.. وهم يفعلون ذلك موقنين أن الحق تبارك وتعالى قد خلقهم وزودهم بعقول تفكر أو لابد أن تفكر وأفئدة تعي وينبغي لها أن تعي ومن ثم فكل طرف.. فرداً كان أو بلداً أو مجتمعاً لابد وأن يدبر أمر معايشه ويجري حساب موارده بعيداً عن انفلات السرف ومغبة الهدر وآفة التعامل مع الموارد التي سخرت للبشر فوق كوكب الأرض بمنطق الإنضاب الجامح اللامسئول. وفق هذا السيناريو القاتم تتوقع الاسقاطات الاحصائية أن يصل عدد سكان كوكبنا إلى نحو 11 مليار إنسان مقابل 6.1 مليارات يعيشون بين ظهراني الكوكب في المرحلة الراهنة. كيف لا.. وسكان الهند يزيدون في الأسبوع الواحد ـ حسب المعدلات الراهنة ـ بمقدار 350 ألف نسمة.. وهو رقم لعمرنا مهول إذا ما قارناه في لمحة خاطفة بما يحدث مثلاً في دول الاتحاد الأوروبي وعددها 15 دولة وقد حققت في مجموعها نفس الزيادة (نحو ثلث مليون) ولكن في عام بأكمله من عمر الزمان.. هذا فضلاً عما تتمتع به دول الاتحاد الأوروبي من ارتفاع مستويات المعيشة ورقي الخدمات الصحية سواء في مجال الرعاية الأولية أو المتخصصة. الهجرة ضرورية لأوروبا ونبادر فنضيف من باب الاحتراز العلمي أن دول الاتحاد الأوروبي ـ ومنها أقطار مثل ألمانيا أو حتى ايطاليا ـ لن تجني في المطلق فوائد جمة أو عمومية من جراء هذه الشحة السكانية بل سوف تعاني بدورها من عواقب المشكلة المقابلة من الناحية الأخرى حيث تواجه في عقود قريبة من الزمن ظاهرة يُطلق عليها في الأدبيات السكانية مصطلح «شيوخة السكان» بمعنى عدم تجدد المجتمع بشرياً حيث يطول متوسط الأعمار.. ويقل عدد المواليد الجدد ومن ثم يتحول المجتمع إلى نسبة إعالة أكبر للمتقدمين في السن ونسب انتاج أقل وزيادة نفقات الرعاية الاجتماعية اللازمة لمراحل الشيخوخة وحرمان المجتمع من القوى اليافعة القادرة على إدارة منظوماته الحيوية في مجالات الانتاج والإدارة والخدمات.. والابداع.. وتلك مشكلة يؤكد معها الخبراء ان أقطار أوروبا بحاجة إلى تيارات ترفد مجتمعاتها بأعداد من المهاجرين الشباب على وجه الخصوص وأن القبول بهؤلاء الوافدين ـ المؤهلين علمياً وتقنياً لن يكون مجرد تبرع خيري من جانب أقطار مثل ألمانيا أو غيرها بقدر ما سيكون عاملاً جوهرياً يستلزمه أمر التوازن الديمغرافي المطلوب لاندفاع دواليب المجتمع في غرب أوروبا إلى الأمام. من يقرأ أو يسمع؟ بيد أن الأوضاع في الاتحاد الأوروبي ـ في بعض أقطاره على الأقل يمكن أن يصدق علينا ـ كما نتصور التساؤل الساخر الشهير الذي يقول: من يقرأ ومن يسمع؟ فمن ساستهم من يتجاهل هذه الحقائق الواقعة والدافعة أو من يفضل تجاهلها أو يحب تجاهلها.. بل إن من ساستهم من يصمّ أذنيه عن حكاية الهجرة الخارجية الوافدة هذه ويوغل في هذا الرفض إيغالاً شديداً يصل إلى مجافاة الموضوعية، أحياناً بل وإلى حدود التناول السوقي ـ العنصري المبتذل أحياناً أخرى، ألا ترى مثلاً سياسة التحالف اليميني في النمسا ودعاياتهم التي رفعوها خلال انتخابات مارس المحلية والأخيرة في أواخر مارس الماضي وقد حشدوا طروحاتهم بأشد الشعارات العنصرية، التي تملقوا فيها مواطنيهم؟ وفي هذا تسوق صحيفة «الموند» حكاية باتريك بابلية القاضية التي تقول عنها الصحيفة الفرنسية انها لم تحاول يوماً أن تخفي آراءها العنصرية، بل انها قالت في البرلمان: ـ إن السود لا يبدون مختلفين عنا.. لأنهم مختلفون عنا بالفعل.. بحكم ما يصدرون عنه من نزعة عدوانية (!). مشكلة العواصم المكدسة وإلى جانب ظاهرة التزايد السكاني المطرد وخاصة في بلدان العالم الثالث النامية (سوف يتركز نصف سكان الدنيا كلها في 6 دول فقط لا غير واحدة في أفريقيا وهي نيجيريا والأخرى في آسيا.. ولا غرو وهي الصين والهند وباكستان وبنجلاديش واندونيسيا). ـ إلى جانب هذه الظاهرة ـ توجد أيضاً ظاهرة التحضّر، المتمثلة ـ كما ألمحنا في حديث سبق ـ في زيادة النزوح من الأرياف والبوادي إلى المدن والمناطق الحضرية. ولا تتجسد مشكلة هذه الهجرات الحضرية، في مزيد من الازدحام التي باتت المدن الكبرى (تسمى المدن المهيمنة في الأدبيات الديمغرافية) تعاني من ظاهرة الازدحام إلى حد التكدس ناهيك عن التلوث والاختناق على نحو ما بتنا نشهده أو نكابده في مدن مثل القاهرة أو نيومكسيكو أو طوكيو أو لاجوس أو دكا.. بل ان مشكلة هذه الظاهرة انها تزيد الطلب في المدن المرهقة أصلاً على المياه والطاقة وغيرها من الموارد الأساسية اللازمة لمعيشة الإنسان. ثم تتفاقم نفس المشكلة حين يؤدي تركز (تكدس) البشر في مواقع سكانية محدودة المساحة، أكثرها مواقع عشوائية في الحواضر ـ العواصم الكبرى ـ إلى زيادة المخلفات ـ الفضلات ـ النفايات الناتجة عن هذه الأعداد والمستوطنات البشرية الضخمة.. حيث يتم صرف معظمها في الأنهار أو البحيرات في هذا البلد أو ذاك مما يقلل من كميات المياه النظيفة، النقية والصالحة من ثم للاستخدام الآدمي. وإذا كنا قد عرضنا في سياق سلسلة هذا المبحث للاثار الناجمة عن ظاهرة العولمة وزيادة السكان ثم الهجرة الحضرية وأوضحنا ـ فيما نرجو ـ لأثر هذا كله من ضغوط على رصيد الموارد الأساسية المتاحة لكوكب الأرض وفي مقدمتها المياه.. فلسوف يظل السؤال المهم مطروحاً: ـ وماذا عن التكنولوجيا، وبالتحديد عما تعد به من إمكانات وقدرات من أجل التصدي لمثل هذه المشاكل التي تصادفها البشرية مع مطالع هذا القرن الحادي والعشرين؟ بديهي أن التكنولوجيا ظاهرة من صنع البشر إذا ما اصطلحنا على أبسط تعريف لها وهو: تطوير استخدام أحدث أساليب العلم من أجل تطوير وسائل الانتاج وتعظيم عوائد النشاط البشري. إيجابيات التكنولوجيا وسلبياتها وبديهي أيضاً أن التكنولوجيا ـ مثل أي عمل أو نشاط أو نزوع بشري ـ جوانبه الإيجابية والسلبية.. خيراتها النافعة وآثارها الجانبية على السواء.. ولعل في هذه البديهية ما يجعلنا نفهم معنى ما يذهب إليه الكتاب الكريم في قوله «ويدعو الانسان بالشر دعاءه بالخير.. وكان الإنسان عجولاً». نعم تستطيع التكنولوجيات المستجدة في حياتنا أن توسع جانب زيادة العرض في معادلة الموارد المطلوبة لحياتنا ونعني بها معادلة العرض والطلب. والتكنولوجيا قد تنتج هذا التوسع حين توصلنا إلى امكانية الافادة من مواد وموارد كانت تعد بعيدة عن متناولنا لدرجة ان صرفت البشرية النظر عن سبل استغلالها ـ ومن ذلك مثلاً رسوبات ومستودعات النفط الكامنة في قاع المحيطات أو المتواجدة تحت سطح مناطق نائية لم يكد يصل إليها أحد في صحارى سيبريا الجليدية في أقاصي روسيا وقد تصل بنا إيجابيات وتطورات التكنولوجيا إلى تقليل إلى حد التضئيل نفقات تحلية مياه البحر أو التوسع باستخدام طاقة رخيصة ونظيفة وصديقة للبيئة هي الطاقة الشمسية. وفي جانب الطلب يمكن لأساليب التكنولوجيا أن تمارس الدور المقابل وهو دور الهبوط بالطلب (مقابل زيادة العرض): مثلاً يقل الطلب البشري على استخدام البترول اذا ما نجحت تكنولوجيا المستقبل ـ القريب فيما نرجو ـ في التوصل إلى موتورات وسيارات ومحركات تتميز بكفاءة استخدام الوقود أو في اصطناع وسائل للنقل والانتاج تتسم باستخدام كميات أقل من الكهرباء أو من مواد الخامات الأولية لكن نصل إلى الجانب المقابل ـ بالتحديد إلى الآثار الجانبية وهي سلبية بحكم التعريف التي يمكن أن تنطوي عليها تكنولوجيات المستقبل في إطار هذه التكنولوجيات سوف يزيد احتفال البشر بالملك المتوج مجدداً في حياتنا وهو الحاسوب عبر اختلاف أنماطه وتعدد أجياله وتطور استخداماته، فضلاً عما يرتبط به من أجهزة وأساليب واستخدامات الكترونية.. ألا يعني هذا مزيداً من الطلب على طاقة الكهرباء؟ (الحديث هنا ليس عن الحاسوب الشخصي أو العائلي في منزل الأسرة الحديثة السعيدة بل عن صناعات وتكنولوجيات المستقبل المدارة بالحواسيب). بين الورق والبترول أكثر من هذا.. كانوا يقولون لنا: ـ لا بأس عليكم من القلق على مصير أشجار العالم واضمحلال الغطاء النباتي الكوكبي من أجل صناعات الورق. إن دخول الكمبيوتر حياتنا كفيل بتقليل استهلاك الورق ومن ثم عدم قطع المزيد من الغابات. ومن عجب أن حدث العكس تماماً وعلى طول الخط! إن أحدث الاحصاءات الصادرة عن صناعات الورق الدولية تفيد بالتالي: ـ على مدى عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ارتفع الاستهلاك العالمي من الورق من نحو 180 مليون طن في عام 1980 يصل إلى نحو 300 مليون طن في عام 1997. نفس الاحصاءات أو المؤشرات بالنسبة للبترول تفيد بازدياد مضطرد في استخداماته في كل بلاد العالم وإن كان الاستثناء الوحيد هو اقليم الاتحادالسوفييتي السابق حيث هبط استخدام البترول نتيجة اغلاق عدد من الصناعات مما أدى إلى هبوط الانتاج وانكماش الأنشطة الصناعية ـ الانتاجية والخدمية، وذلك عامل سلبي له دلالته الموضعية الخاصة. ورغم دخول كميات جديدة من النفط الخام إلى أسواق العالم.. بفضل ما تم من اكتشافات محدثة منها مثلاً حقول بحرية في أفريقيا أو في منطقة بحر قزوين مما سيضيف ـ كما يقول الخبراء مليارات من البراميل إلى الاحتياطات النفطية المؤكدة ـ إلا أن الازدياد الراهن في الاستهلاك العالمي كفيل باستمرار الطلب في حالة ازدياد على هذه المادة الاستراتيجية مما يدفع وزارة الطاقة الأمريكية مثلاً إلى التنبؤ بأنه سيحدث دورياً أن يفوق الطلب العرض وبالتالي يشهد العالم ـ بمقتضى قوانين الاقتصاد المعروفة ـ زيادات متكررة في الأسعار من ناحية بل وحالات من الركود الاقتصادي العالمي الشامل من ناحية أخرى ثم أن هذا الطلب المتزايد على النفط معناه زيادة الاستهلاك وبالتالي زيادة انبعاثات أكاسيد الكربون الضارة في أرجاء الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض. في هذا المضمار أيضاً تتوقع وزارة الطاقة الأمريكية أن تزداد كميات هذه الانبعاثات الضارة بنسبة 62% في عام 2020 للميلاد وهي نفس الوزارة الموقرة التي تتبع الرئيس الأمريكي بوش وبرلمانه.. الموقر أيضاً وكلاهما الرئيس والكونجرس أعلنا في الفترة القريبة الماضية رفضهما التصديق على بروتوكول كيوتو من أجل خاطر عيون الصناعات الأمريكية التي يريدون ترك الحبل لها على الغارب كي تكسب مليارات من الدولارات وتفرز أطناناً من الانبعاثات الكربونية الضارة بصحة الإنسان والحيوان والنبات على السواء. والمعروف أن اتفاقية كيوتو سبق وأن وافقت عليها مبدئياً إدارة الرئيس كلينتون في عام 1997 وبمقتضاها تقوم كبريات الدول الصناعية بخفض انبعاثاتها الكربونية بنحو 5% دون مستواها عام 1990 على أن تفعل ذلك في أمد غايته عام 2012، هذا علماً بأن أمريكا مسئولة وحدها عن نحو 25% وربما أكثر من تلك الانبعاثات الضارة، وخاصة بسبب اعتمادها على السيارات التي تسير بالبنزين. ليس صدفة إذن ان ينقل الخبراء الاختصاصيون حديثهم من مجالات المادة والموارد والتكنولوجيا إلى مجال الأخلاقيات وأعراف السلوك المستند إلى قيم الشرف والمسئولية والتكافل المطلوب توافره من أجل الاستمرار الصحي للحياة البشرية فوق كوكب الأرض. هذا الجانب يوجزه الباحث الأمريكي البروفيسور بول فابنر في عبارة ثلاثية تقول.. الناس.. والطبيعة.. والأخلاق ولسوف يكون ـ بمشيئة الله ـ ختام هذه السلسلة من الأحاديث. ـ كاتب سياسي من مصر