إن أعظم صفة يصف بها الناس الشعر هي (المجون) والناس في نظرتهم الى الشعراء صنفان الاول يرى ان الشعر غواية لابد من توبة للشاعر منها والا فالويل والثبور له لانه مجاهر بمعصية عظيمة هي الشعر، والصنف الاخر لا يرى في مجون الشعراء بأسا فالشاعر عندهم ذلك الذي له كل يوم مع الحسناوات موقف وفي كل دار مغامرة ولا يجدون في ذلك غضاضة فالشعراء عندهم يجب ان يكونوا ماجنين اهل لهو وطيش والا ما كانوا شعراء. والنظرتان تقفان على طرفي نقيض بل هما في غاية التطرف، فليس الشعر لذاته ذنبا يجب ان يستتاب صاحبه ولايمكن لصاحب فقه شرعي بالنصوص ان يفتي بمثل هذا. وليس الشعر كذلك بالمقابل مجونا وتفكها بذكر النساء وتلذذا بتتبع المباذل واستراق السمع واختلاس النظر فذلك خلق لا يليق بمن لا شعور له فكيف بمن هو شاعر له من الحس ارفعه وليس من الأدب في شيء ان تكون ماجنا قليل الأدب فكيف بمن يفترض أنه صاحب أدب والشعر أدب كله. المشكلة تكمن في عدم الوسطية في الحكم على الشعر ولا أعني الوسطية هنا ان نقطع بأن الشاعر الحق ليس لديه ما يؤاخذ عليه في شعره وهو المنزه عن كل نقص لانه شاعر فهو الانسان الكامل السليم من كل هفوة المنقى من كل زلة لسان وعثرة قلم. ان الوسطية التي اعني هي الوسطية التي حكم بها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام على الشعر حين قال: الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح. فالمعيار الذي نقيس عليه هو النص وليس الشاعر، ان النص الباقي المحفوظ هو فيصلنا والقول هو معيارنا فعندما نصل الى فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا نفهم ان الشاعر انسان بشر مثله مثل كل انسان كما هو الشعر كلام مثل كل الكلام ومقياسه هو نفس المقياس الذي يقاس به الكلام هو الحُسن والقُبح الذي يتميز به النص، فلا يجب ان ينظر للشاعر على انه ماجن لانه شاعر ولانه لو لم يكن شاعراً لكان عفيفا بل الامر غير ذلك ان الانسان اذا كان ماجناً فلأنه في ذاته كذلك وما الشعر الا كلام ظهر فيه هذا المجون الكامن في نفسه بحسب مؤثرات بيئية واجتماعية عاشها بعيدا عن الشعر ولا فرق بعد ذلك اظهر ذلك المجون موزونا مقفى او مسجوعا او مرويا او مغنى ولا أظن ان هناك فرقا بين مجون مقفى موزون ومجون منثور مرسل، إذن فالامر امر نصوص وكلام فقد ينسب نص جميل أملته الحكمة والعفة الى شاعر وقد ينقل المجون عن رجل غير شاعر يعيش حياته معربداً، اذن فالشعر ليس رديف الفسق والمجون بل الشعر ضحية الماجنين الذين استغلوا الشعر في المجون تماما كما يفعل شارب الخمر بالكأس يملأها خمرا يملأها سائغا او من يملأ القربة ماء زلالا ومن يملأها نبيذا معتقا. ان الامر امر استخدام واستعمال وصرف للأمر في غير محله. وفي النهاية فإن الانسان ذاهب ومجونه ذاهب معه ونتاجه محسوب له او عليه فأما المجون الذي نظمه الانسان شعرا فهو عليه واما الحكمة والعفة والجمال والسمو بالغرائز والتسامي على الدنايا فهو جمال مطلق محمود محسوب للشاعر وليس عليه وقديما قال الشاعر العربي: ولا تكتب يمينك غير شيء يسرك في القيامة ان تراه وهذا هو الأمر الذي يجب ان يتخذه كل انسان مبدأ وليس الشعراء فقط انه ليس من العقل والحكمة ان يكتب الانسان مايكون عليه حجة ووبالا سواء أكان ذلك شعرا ام نثرا. ولكنه ليس بالخفي على العاقل المتأمل تلك النظرة الساذجة الى نتاج الشعراء، فأغلب الناس ينظرون الى البوح الذي تفيض به نفوس الشعراء على انه ضد الحياء والأعراف والتقاليد فليس الأمر امر مجون واضح فيه تبذل وتحلل من أعراف المجتمع ولكنه أمر هروب من كل ما من شأنه البوح بالمشاعر حتى وان كان عفا ساما فالشعر عند الغالب شعران إما شعر دعوة ونصح وحكمة ووعظ والا فما عداه مجون وسفه وكلام فارغ وهذا هروب من حقيقة النفس ومن صدق المشاعر فمن منا لا يحمل في نفسه شعورا ما هو الحب لطيف في النفس هو عنده أفق السعادة ومنتهاها من من الناس لا يحمل في نفسه ذكرى يلجأ الى ظلالها الوارفة كلما اشتدت به الحياة وزاد هجيرها ان كل انسان سوي يحمل في داخله شيئا من ذلك ولكنه لايملك تلك الموهبة المتوقدة التي هي للشاعر حتى يبوح بها صورا جميلة خالدة فليس له الا الآه الحبيسة التي يترجمها الشاعر حتى لا تتحول الى ألم وخلل نفسي دائم فتكون ترجمة الشاعر تلك هي ملاذ الناس من مثل تلك الاحاسيس المكبوتة التي يسعدهم ويهديء من روعهم تعبير الشاعر عنها فالشاعر ترجمان النفوس ولسان الأرواح ان عف وصدق وحلق وتسامى، فهل في التسامي بالمشاعر والبوح بها في اجمل العبارات وأرقها ما يخدش الحياء. ألا تحمل الأبيات التالية على ما فيها من بوح بالحب اسمى معاني العفة مع القدرة على ضدها؟ اليس هذا أكثر تأثيرا في النفوس من قصيدة وعظ مباشرة مملة في ضرورة التحلي بالعفة. يقول أبو فراس الحمداني: وبت يظن الناسُ فيَّ ظنونَهم، وثوبيَ مما يرجُم الناسُ، طاهرُ وكم ليلةٍ ماشيتُ بدرّ تَمامها إلى الصبح لم يشعر بأمريَ شاعر ولا ريبة إلا الحديث، كأنَّه جُمانٌ وَهَى، أو لؤلؤ متناثر أقول وقد ضجَّ الحُليُّ، وأشرفت، ولم أرَو منها، للصباح بشائر: أيارَبّ، حتى الحَليُ مما نخافهُ وحتى بَياضُ الصبح مما نُحاذر ولي فيك، من فرط الصبابة، اَمرٌ ودونك، من حُسن الصيانة، زاجر عفافُك غَيٌّ، إنما عفّةُ الفَتى إذا عفَّ عن لذُاته، وهو قادر