ما أن كشف النقاب عن بعض اللقاءات الأمنية بين طرفي الصراع الدامي في الأراضي الفلسطينية، حتى خرج الكثير من صيحات الإدانة والاستنكار تارة والاستهجان تارة أخرى، لهذه اللقاءات، باعتبار أن ما يجري من صراع قد سد مجمل القنوات الدبلوماسية والأمنية، وحتى السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، منطلقين من ضرورة أن تأخذ انتفاضة الأقصى خطاً سرمدياً في الصراع لا يمكن أن يتوقف عند حدود، أو نهايات محددة سلبية كانت أم إيجابية. لكن بعيداً عن الأمنيات التي يحملها البعض والأحلام الوطنية الكبيرة، يجب الاعتراف أن أي عملية صراعية ملتهبة رحاها بين طرفين بعيداً عن موازين القوى بين هذا الطرف أو ذاك، لا يمكن أن يبقى الصراع سرمدياً حتى اللانهاية ، وأن السمة الغالبة التي تحملها هذه الصراعات غالباً ما يحتاج الطرف الأضعف في العدة والعتاد، بين الفينة والأخرى، إلى ما يسمى باستراحة المحارب من أجل تجميع أوراق قوته المادية والمعنوية وترتيبها لخدمة اتجاهات وأهداف سياسية محددة، وليتسنى له أيضاً العودة من جديد إلى معاودة الصراع بطرق أقل تكلفة وأعلى مردودية عبر اجتراح أساليب تمد في ديمومة هذا الصراع التناحري القائم ما بين الجسد والدم والحجر وآخر ما انتج من تكنولوجيا الدمار. وهنا لابد من أن ندرك جيداً أنه في ظل الخلل الكبير، بل وانعدام موازين القوى بين طرفي الصراع الحاصل على المستوى المحلي والإقليمي، أن تحقيق أي هدف ولو جزئياً يعتبر انتصاراً أولياً، فإنهاء الحصار مثلاً ولو جزئياً من خلال اللقاءات الأمنية عن القرى والمناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع، وتراجع الجيش الإسرائيلي المدجج بأعتى أسلحة القتل والدمار، دون التراجع عن فعاليات الانتفاضة اليومية التي نشهد أحداثها يعتبر بحد ذاته انتصاراً. وبذلك يكون الفلسطينيون في الداخل قد حققوا مقولة تلازم المقاومة والمفاوضات أولاً، وأعادوا ترميم أوضاعهم الداخلية بما يؤمن استمرار الدعم الانتفاضي وتأمين مستلزمات هذا الاستمرار سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ثانياً. خاصة وأننا ندرك أن ثلاثة ملايين من الفلسطينيين يعيشون هذه الأيام، حالة من العوز والعجز الاقتصادي والمجاعات والحرمان وفقدان المدد الصحي والطبي، ناهيك عن جموع المشردين الذين أصبحوا بلا مأوى، حيث أفادت التقارير بأن ما يقارب 2400 منزل أصيبت جراء العمليات العسكرية منها ما يقارب 185 منزلاً لم يعد صالحاً للسكن على الإطلاق. بالمقابل محاولة الالتفاف على شارون وخططه الجهنمية التي استغلت مواقف الإدارة الجديدة في واشنطن، بخفض مستوى الانخراط الأمريكي في مفاوضات التسوية عما كان عليه في أيام إدارة كلينتون وذلك لتغيير قواعد اللعبة القائمة على اتفاق أوسلو الذي لا يريدها بوش أصلاً بأن تكون تسوية نهائية بحجة أن الطرفين غير مهيأين لها في المرحلة الراهنة، وبما يؤمن ولو بشكل جزئي حالة من ما يسمى بتوازن الرعب، الحاصل أصلاً منذ الأيام الأولى لاندلاع انتفاضة الأقصى. سيما وأن الطرف الفلسطيني يعي أن الأولوية بالنسبة لادارة بوش تتفق مع حكومة شارون بأن التطورات في منطقة الخليج وبالتالي مواجهة العراق وإيران يجب أن تحظى بأولوية الاهتمام على تسوية الصراع العربي الإسرائيلي وخاصة في بعده الفلسطيني وخلافاً لمنظور كل من إدارة كلينتون وحكومة باراك ترى إدارة بوش وحكومة شارون أن الرابط بين تسوية المسألة الفلسطينية والتوجهات الأمريكية في الخليج هو في غير محله، وبضرورة الفصل بينهما تماماً. لذلك وجد الطرف الفلسطيني ضرورة تغير القاعدة التي تقوم عليها العملية، الصراعية التفاوضية، بما يعطي بين الفترة والأخرى استراحة محارب تؤمن العون وترتيب الأوراق الصراعية لمدة أطول كما أسلفنا القول، شرط التلاؤم مع شروط اللعبة الجديدة كلاعب رئيسي وفاعل على الطاولة وخلف الكواليس والردهات الفاخرة في هذه العاصمة أو تلك في ذات الوقت، وفي حضرة هذا الوسيط الذي ينادي بتخفيض العنف أو ذاك. بالإضافة إلى أن الفلسطينيين يحاولون استغلال وقت شارون الضاغط والذي قدر بمدة مئة يوم كفرصة لوقف الانتفاضة، وقد نجح الفلسطينيون على ما يبدو في تفويت الفرصة على شارون وضرب مصداقيته أمام القوى اليمينية المتطرفة التي دخلت في تحالف سلطوي معه شرط وقف الانتفاضة خلال الأشهر الثلاثة، وفرضت عليه الجلوس حول الطاولة الأمنية، جنباً إلى جنب مع استمرار فعاليات الانتفاضة، والتي كان شرطها وقف الانتفاضة في ظل عودة أي خطوة تفاوضية. بالمقابل بدأ الطرف الإسرائيلي يدرك جيداً أن الفلسطينيين لا يمتلكون بدائل عن الانتفاضة واستمرارها، على أقل تقدير لغياب البديل التي عجزت عن تقديمه اسرائيل بسبب مواقفها المتطرفة والرافضة إلى تقديم أي تنازل للفلسطينيين، إن كان بالتفاوض والاتفاقيات الأمنية والسياسية أو في استخدام وسائل العنف والإكراه ، وأنه لا يمكن لهم أن يتراجعوا عن الفعل الانتفاضي، منطلقين من مقولة «أننا نصعد سلماً من الحبال، وكلما صعدنا درجة تحترق الدرجة التي تخطيناها، والأصح التي قبلها». لذلك فالرجوع للوضع قبل الراهن لا يمكن قبوله أو احتماله بعد كل التضحيات التي لا تزال تقدم يوميا ً على مذبح الحرية والاستقلال، واعتبار أي تراجع أو خسارة ستعيد الكفاح الوطني إلى عشرين عاماً أو أكثر للوراء على أقل تقدير وهذا الأمر سيفقد اسرائيل على المدى المنظور الشركاء المحتملين الذين يشاركونها على طاولة التفاوض، وسيفتح فضاءات جديدة من الصراعات غير المسيطر عليها. فانطلاقاً من هذا الفهم وهذه القناعة الشارونية، وجدت حكومة شارون اليمينية المتطرفة رغم شعاراتها الفضفاضة التي تعيد يومياً شريطها العنصري على مسامع العرب، وجدت ضرورة عودة اللقاءات الأمنية والسياسية، مستظلة ببعض الوسطاء العرب والغربيين، ظناً منها أنها قادرة بالترافق مع استخدام وسائل التدمير المنظم للبنى التحتية الفلسطينية والحصار الاقتصادي الظالم والمماطلة والتسويف على تخفيض المطالب الفلسطينية، والحد من تطلعات الفلسطينيين وتصعيد مطالبهم الوطنية التي ستؤدي بالنهاية إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني ، وما سيتبع ذلك الأمر من تغير في خارطة المواقف السياسية العربية خاصة دول الطوق، حتى بما في ذلك الدول العربية التي تقيم علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية مع اسرائيل. لأن أي خطوة اسرائيلية بعد ذلك هو بمثابة عدوان على السيادة الفلسطينية، الذي يتطلب بعد ذلك اتخاذ مواقف أكثر جذرية في مواجهة هذا العدوان. لكن السؤال الهام جداً، هل أصبح شارون حقاً في موقع يؤهله فرض بعض الحلول الجزئية على الفلسطينيين، وتخفيض مطالبهم الوطنية، رغم استخدام أدوات القمع؟ وهل حقاً بعد كل هذه التضحيات الجسام، وبعد أن خرج الفلسطينيون بسلامة من مكبس كامب ديفيد2، سيقدمون التنازلات التي تودي بمستقبلهم الوطني؟ مثل هذه الأسئلة وغيرها ستجيب عليها جملة الأحداث القادمة التي ستحمل معها بكل تأكيد أدوات صراعية جديدة مختلفة عن الأدوات التي سبقتها، إن كان لجهة التكتيكات السياسية التفاوضية، أو لجهة استخدام وسائل المواجهة الدامية. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق