كان مؤتمراً في غاية الأهمية ذلك الذي انعقد في الدوحة عاصمة قطر من 9 إلى 12 ابريل الجاري تحت عنوان «المؤتمر الأمريكي القطري حول التجارة الحرة والديمقراطية» بحضور خمسة عشر عضواً في الكونجرس الأمريكي، وعدد من الوزراء القطريين والمسئولين الخليجيين وأساتذة الجامعات الأمريكية والخليجية. ويأتي المؤتمر تمهيداً لمؤتمر المنطقة العالمية للتجارة الذي ستحتضنه الدوحة في شهر نوفمبر المقبل وضمن خطوات استشرافية تقوم بها الأوساط السياسية البرلمانية والاقتصادية في الولايات المتحدة للتعرف على المناخ الفكري العام في دول الخليج العربي واتجاهات الرأي العام السائدة في مجالات العولمة أي في الحقيقة سيادة النموذج الليبرالي الأمريكي ومحافظته على التفوق والقدرة على التوسع. لقد كان عنوان المؤتمر موحياً بالتفاعل الجدلي الحميم بين التجارة الحرة والديمقراطية كمثل أعلى أمريكي بالدرجة الأولى أصبح في أوروبا وفي الصين وفي روسيا محل جدل وموضوعاً موضع النظر... مما انعكس على مؤتمرات المنظمة العالمية للتجارة ـ بكل من سياتل بأمريكا وبراغ بتشيكا ونيس بفرنسا ـ بموجات عارمة من التظاهرات الاحتجاجية الرافضة للهيمنة الأمريكية على الأسواق والأذواق. ويبدو أن هذا التخوف هو الذي دفع اللوبيات الأمريكية إلى رسم خارطة سياسية واستراتيجية للوعي العربي والخليجي تحديداً إزاء هذه المشكلات الأساسية. وقد أسفتُ للاعداد السريع لهذا المؤتمر مما فوّت الفرصة على النخبة الخليجية ـ والعربية في إقرار حوار متوازن حر ثري حول أبرز القضايا الدولية ـ والثنائية الأمريكية العربية المطروحة على العقول والضمائر هنا وهناك ـ ولكن هناك ورقة عمل قدمها الوزير القطري للطاقة والصناعة عبدالله بن حمد العطية وهو الرئيس السابق لمنظمة (الأوبك) كانت في غاية الدقة والجرأة والعمق بحيث رمت على خندق الدول المستهلكة الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة مسئولية ما يحدث من تذبذب وتخبط في قطاع البترول. وقد أكد الوزير في مداخلة مكتوبة بطلان مخطط المخزون الاستراتيجي الذي يدل على أن ليس هناك ثقة حقيقية ولا تعاون صادق بين الدول المنتجة والدول المستهلكة بالرغم من النقلة النوعية التي حققها الجانبان في حوار الطرفين الذي انعقد في مدينة الرياض في نوفمبر 2000. وتعرّض الوزير العطية الى خسائر أمريكا نفسها من جراء تدهور أسعار البترول عام 1998 حين انخفض انتاجها بأكثر من نصف مليون برميل يومياً وأغلقت 125 ألف بئر منتجة وتحملت بطالة أكثر من 30 ألف عامل. هذا وأعلن الوزير بأن معدل سعر 25 دولاراً للبرميل هو نقطة الوسط للمدى السعري المقرر وهو السعر العادل وهو الذي سيضمن مواصلة الاستكشاف وزيادة الطاقة الانتاجية لمجابهة الطلب العالمي، وهو معدل يتسم بالواقعية. وذكّر الوزير بكلام الرئيس بوش من أسبوعين حين قال إن أمريكا تستهلك ربع ما يستهلكه العالم من الطاقة وبأخفض الأسعار. وواصل الوزير العطية كلامه مؤكداً أنه استغرب أمرين حدثا في أمريكا، الأول: قرار محكمة في ألباما يدين ما سماه بتواطؤ الأوبك لإعاقة التجارة العالمية والثاني تقدم اثنين من أعضاء الكونجرس بمشروع قانون يبيح للقضاء الأمريكي إقامة دعوى ضد دول أجنبية بما فيها دول الأوبك بخصوص قضايا ما يسمى التواطؤ لتثبيت الأسعار أو مستويات الانتاج للمنتجات النفطية. وهذه التصرفات الغريبة والإجراءات المريبة لا تخالف القوانين الدولية فحسب، بل وحتى القوانين الأمريكية نفسها. هذه أبرز الأفكار الجريئة التي صاغها الوزير القطري لضيوف قطر من أعضاء الكونجرس... فقد خاطبهم بلهجة تجمع بين الصدق والمجاهرة بالحق... ما دام شعار المؤتمر هو التجارة الحرة والديمقراطية... أم إن بعض اللوبيات الأمريكية البترولية المتغلغلة في معابر القرار السياسي تريد فرض تحليلها للسوق النفطية وترويج مصالح شركاتها العملاقة التي ليس لها من غاية سوى الربح الفوري على حساب أغلبية الأمم التي لا تزال تعاني من الجور الاقتصادي والسياسي والثقافي الناتج عن اختلال التوازن الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتفاقم الوضع بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي وتعملق الامبراطورية الأمريكية واحدة بدون ضد ومنفردة بدون ضوابط ومسيطرة بدون... رحمة! أروع ما في هذا المؤتمر أنه أعطى لجزء من القرار السياسي الأمريكي المتمثل في تلك الكوكبة من أعضاء مجلس الشيوخ إضاءة أخرى مختلفة في موضوع مصيري وحساس كموضوع الطاقة حتى يعلموا... أو يتعلموا أنه في صفوف أصدقائهم يمكن أن ينشأ شعور يتنامى بالظلم حتى ولو لبس لبوس العولمة ومقتضياتها وارتدى زي التجارة الحرة والديمقراطية. فالأولى ـ أي التجارة الحرة ـ ليست مسوّغة للسوق المتوحشة آكلة الفقراء وصاهرة الثقافات ومدمرة الهويات، أما الثانية ـ أي الديمقراطية ـ فهي ليست التدخل الامبريالي الشرس في مصائر الشعوب، لكنها اختيار التوافق بين الحاكم والمحكوم من أجل إنشاء جبهة الدول المهددة بالفناء أو على الأقل بالمصادرة حتى تصبح هشة وفاقدة الإرادة تدور في فلك العولمة من أجل أن تخدم مصالح ذلك التنين المكوّن من الأقوياء... ومن الأقوياء وحدهم ضمن منظومة العولمة المغشوشة. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر