اللافتات الاحتجاجية الطاغية على ما عداها من لافتات أخرى في المظاهرات العارمة المتتالية في تركيا بقيادة تجمع النقابات وصغار التجار كانت تلك التي تحمل شعار «اطردوا صندوق النقد الدولي». وبذلك يكون القادة النقابيون قد وضعوا يدهم على السبب الجذري للأزمة الاقتصادية المزمنة التي يُحسب عمرها بعقود من الزمن. لكن الحالة التركية ليست من هذا المنظور حالة فريدة في العالم الثالث، رغم أنها ربما تكون الأقدم. فبلدان العالم الثالث تعيش استعماراً أجنبياً حديثاً يمثل «صندوق النقد الدولي» رأس حربته. النمط واحد.. ويتطابق بين كل الحالات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كوقع الحافر على الحافر: تدهور مستمر يفضي إلى انهيار في قيمة العملة الوطنية... غلاء متصاعد يشمل بصفة خاصة السلع التموينية الضرورية وفي مقدمتها الخبز... بطالة متنامية بين أجيال الشباب المؤهلين... انهيار شامل في الخدمات والمرافق العامة كالمستشفيات والمدارس والجامعات وخدمات الكهرباء والماء. وسبب النمط واحد في كل الحالات: وصفة صندوق النقد الدولي. ولعشرات من السنين المتصلة تطبق الدولة المعنية وصفة التقشف التي يفرضها الصندوق ويطلق عليها «إصلاحات» بوعد من خبراء الصندوق بأن الفرج آت عند نهاية النفق التقشفي. لكن الفرج لا يأتي إطلاقاً... على العكس تنتقل الحياة المعيشية اليومية لمحدودي الدخل من بؤس إلى بؤس أشد. فما هي القصة الحقيقية؟ هي بإيجاز قصة استعمار اقتصادي باسم «الإصلاح الهيكلي». فالصندوق، باعتباره الذراع المالية للولايات المتحدة وسياساتها العالمية، يدخل الصورة الاقتصادية لدولة ما في العالم الثالث بهدف أوحد... هو فتح الطريق لأصحاب رؤوس الأموال الأمريكيين لنهب موارد تلك الدولة تحت غطاء «الاستثمار». وبتواطؤ مع الطبقة الحاكمة في الدولة المعنية تسن الدولة قوانين وتشريعات باسم «سياسة تشجيع الاستثمار الأجنبي» تؤدي إلى تخفيف أو إلغاء قيود حركة الأموال. وبنية استغلال هذه التسهيلات تدخل شركات وبنوك أجنبية لتمارس نشاطاً في مجالات مثل مضاربات العقارات ومضاربات العملات بغرض تحقيق أرباح طفيلية ضخمة في وقت قياسي ثم تهريب الأرباح أولاً بأول إلى الخارج. وتكون نتيجة هذا النشاط التدميري إفلاس الاقتصاد الوطني أو اقترابه من حالة الإفلاس. وأبرز وأخطر مظاهر هذا الإفلاس هو عجز الدولة عن خلق تراكمات من الأرصدة الاحتياطية بالنقد الأجنبي. وهنا يحدث تطوران: انهيار العملة الوطنية بفقدانها غطاء النقد الأجنبي... وعجز الدولة عن تمويل فاتورة الواردات الضرورية مثل مدخلات الانتاج وقطع الغيار والأغذية الأساسية والأدوية المنقذة للحياة. وإذا كانت تركيا هي أحدث نموذج نراه للاحتجاج الشعبي العارم على هذا النمط الإجرامي فإن الصورة متكررة من الأرجنتين وتشيلي إلى المغرب والجزائر وإلى باكستان واندونيسيا. ولمدى أكثر من نصف قرن منذ أن خرج «صندوق النقد الدولي» إلى الوجود لا توجد حالة واحدة يمكن أن تعتبر قصة نجاح للصندوق رغم أن «الإصلاح الهيكلي» هو مرتكز دعايته. على أن رجال الصندوق يحرصون من حين لآخر على انتقاء دولة ما كل عشر سنوات أو نحو ذلك يضخ إليها الصندوق أموالاً لفترة مؤقتة من أجل عرض صورة هذه الدولة كنموذج لـ «النجاح». في الماضي كان هذا النموذج هو «ساحل العاج» ثم تبعتها كل من غانا ويوغندا قبل أن ترتد ثلاثتها إلى الحضيض الاقتصادي مرة أخرى. وسوف تتوالى الاحتجاجات في تركيا. لكن الأزمة لن تنفرج إلا بقرار سياسي كبير بفك الارتباط مع الصندوق. غير أن هتاف الجماهير بسقوط الصندوق للمرة الأولى يمكن أن يعتبر اختراقاً ستكون له تداعيات جليلة الشأن.