منذ العام 1948 وحتى الوقت الراهن، يصعب العثور على موضوع يمكنه منافسة الاهتمام العربي بقضية فلسطين وتوابعها. فالمواجهة الكبرى في فلسطين وما حولها مع الغزوة الصهيونية الاستيطانية، مثلت هما مقيما للعرب من المياه الى المياه. وقد لا تستثني من هذا التقدير أية مؤسسة في هذه الرحاب الممتدة، أكانت أسرة تقيم في قرية نائية في جوف الصحراء أم كانت دائرة معنية بصناعة القرار على مستوى القمة. ولم يكن حجم هذا الانشغال ومساحته على مدار هذه الحقبة، وربما منذ ما قبلها ببضعة عقود، بالأمر المفتعل، فهو كان وما زال صدى لأزمة حقيقية عيانية، اعتصرت الأمة وأوقعت أبناءها جميعهم، وإن بدرجات متفاوتة من التأثير، في أحابيلها وعلى نحو قسري، وبهذا يمكن تبرير الفشل الذي لحق بكل المحاولات الرامية لتنحية القضية الفلسطينية أو ازاحتها الى الخلف، على مدرج الأولويات العربية، رسميا أو شعبيا أو على الصعيدين معا. على أن وقوع القضية في بؤرة الحياة العربية، بصعيديها المذكورين، وعلى المستويين الفكري والحركي، لا يعني بالضرورة صحة المعالجة أو تنزيه المهتمين من احتمال الخطأ. فلو كان هذا جائزا، بحيث تم التعاطي مع القضية بلا نواقص وبمنهجية وقلب سليمين، لما تفاقم حالها على النحو الذي نسمع ونرى. علينا الاعتراف، مع كثير من المنصفين بالمثالب والمآخذ التي اعترت المقاربة العربية بالمعنى الشامل والفلسطينية بالمفهوم الوطني الإقليمي، لكثير من جوانب القضية. هناك مثلا، تراكم معرفي يستحق الاشادة حول نشأة هذه القضية وتطورها والمسارات والمدارات التي راوحت فيها خلال عمرها. غير أن هذه الحقيقة لا تمنع ملاحظة بعض الثغرات التي يتعين ملؤها بجهد مضاف. وقد يبعث على الدهشة في هذا الاطار، كيف انتبهت دراسات تحليلية كمية ونوعية الى وجود ضمور في الاهتمام بالقضية الفلسطينية في الحقلين العربيين التعليمي العام والأكاديمي، إن ازورار المناهج التعليمية العربية ومساقاتها عن ادماج القضية في متن ما تتلقاه أجيال من التلاميذ والدارسين في المراحل المختلفة، لا يستوي ولا يستقيم ووطأتها على حياة هذه الشرائح التي تملك بعض الحاضر وكل المستقبل. وبالطبع لا مجال للمجادلة في ضرورة التناول العلمي والتعليمي لهذه القضية، طالما أنها مرشحة لئن تكون ضمن هموم الأمة المستقبلية، علاوة على مركزيتها ماضيا وحاضرا.. تتضاعف الدهشة حين نتفحص منظومة التراكم المعرفي حول القضية وحشوها من الداخل، فكثير من الأدبيات الموصولة بها، تكاد تكون عنعنات يقول بها اللاحقون في تكرارية مملة لأعمال السابقين. جديدها الابداعي قليل. وبعضها لا يمكن اعتباره طبقا لتقاليد البحث والنقد المعتبرين أكثر من استنساخ معيب لجهود سبق الاضطلاع بها. ثم إن بعضا آخر من هذه الأدبيات، وقع في محظور الانتقائية، بحيث أولى عناية فائضة لجوانب معينة منها، فيما مر على جوانب أخرى كالسحاب. ومرد ذلك إما باستسهال المعالجة بما يشي بالكسل الفكري أو السياسي، وإما للجهل بأهمية المسكوت عنه الذي تم تجاوزه أو تجاهله، وإما عن محاكاة عمياء غير متبصرة لأعمال الآخرين وما وضعوه قيد النظر باعتباره الأهم أو الكلمة النهائية. وفي تقديرنا أن شريحة المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال والسيطرة الاسرائيلية منذ عام 1948، الشهيرة بعرب أو فلسطينيي 48، تدخل بشكل ما في هذا البعض الأخير، حقا هناك التفاتة عربية وفلسطينية لا تخطئها عين المتابع بهذه الشريحة، بالمعنيين الفكري التنظيري أو السياسي الحركي، غير أن هذه الالتفاتة ليست بمنجاة من الانتقادات التي يمكن توجيهها للأعمال المعنية بدوائر أو جوانب أخرى من القضية الفلسطينية (التكرارية والعنعنة والاستنساخ والانتقائية والاستسهال..) ولعل الجهود التي بلغت طورا من النضح حول عرب 48، هي التي تولاها نفر من أبناء هذه الدائرة النابهين والنشطاء فكريا أو سياسيا. مثل (صبري جريس) في مرحلة سابقة و(عزمي بشارة) حاليا. لكن هذه الجهود الاستثنائية لا تحجب القناعة بأن أحوال عرب 48، ما زالت تشتمل على ما نعتبره (مناطق رخوة) في المقاربة العربية والفلسطينية، ينبغي التعامل معها على نحو أكثر جدية، وتنبع هذه القناعة من استشعارنا للخصوصية الشديدة لأوضاع هذه الجماعة العربية الفلسطينية، علاوة على ما هو ملحوظ من غياب الاجابة عن بعض الأسئلة الكبيرة، التي يفترض أن تثيرها هذه الأوضاع في الأوساط الفكرية، وكذا في أوساط الحركة السياسية العربية أو الفلسطينية المهمومة بسيرورة الصراع الصهيوني العربي وآفاقه. تتصل هذه الأسئلة بقضايا لم تنل حظها من الحسم، منها ليس على سبيل الحصر: مكانة عرب 48 في المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ومكانتهم في المشروع الاستيطاني الصهيوني ونظامه السياسي، وجدوى توظيفهم بشكل موسمي فلسطينيا واسرائيليا في غمرة التدافع السياسي بين الجانبين، ودورهم في التوقعات المتعلقة بمستقبل المعادلة السكانية وتأثيراتها على مسار الصراع في فلسطين، وعلاقتهم بقضية التطبيع العربي الإقليمي مع اسرائيل رفضا أو قبولا، ومغزى تجربتهم في النضال المدني بالنسبة لتفاعلات المقاومة الفلسطينية، وتداعيات قضيتهم الخاصة ووجودهم في اسرائيل على الحلول المطروحة نظريا لقضية الصراع في شقه الاسرائيلي الفلسطيني. نقول، إن هذه القضايا وما تنطوي عليه من استفهامات وتجليات، تحتاج الى مقدار أوفر من الدرس والنظر. وذلك مع اعترافنا بأن بعضها تعرض لشئ من التأمل في الأدبيات التي أطلت على عرب 48 وسوف نلمس هذه الحاجة من خلال اجتهادنا الذاتي بالخصوص، الذي نطرحه على محمل التفكير بصوت مرتفع. وسيكون لمفهومي عرب 48 وفلسطينيي 48 الدلالة ذاتها في هذا الاجتهاد، علما بأن تركيزنا على أولهما يقصد لفت الانتباه الى أن مصير هذه الشريحة يعني حقا وجدلا أمتهما العربية كلها بصفتها مرجعيتها القومية والحضارية العليا، وهو ما لا يتعارض اطلاقا وصفتها الفلسطينية أو ينتقص منها كمرجعية وطنية. ـ كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة