أثير موضوع الوجود السوري في لبنان مؤخراً بقوة، والمؤكد أنه سوف يظل يهيمن على الحياة الداخلية اللبنانية فترة طويلة. فهذا الوجود هو آخر آثار الحقبة الماضية، حقبة الحروب والصراعات داخل لبنان وحوله. وواضح ان الكثير من اللبنانيين يريدون الخروج من إسار هذه الحقبة بأي ثمن. وسواء كان الوجود السوري من أجل لجم الخطر الإسرائيلي، كما يقال، أو من أجل لجم الوضع الداخلي والحفاظ على التوازن الطائفي الحالي، كما يشاع، فإنه في الحالتين يعطل الديناميكية اللبنانية، فيما يبقي لبنان معتمداً على الخارج، ليس في اقتصاده أو سياسته فحسب وإنما في وجوده ككيان ودولة. وواضح أن هذا فوق طاقة وتحمل أي لبناني. الإثارة والأبعاد لذلك كان مثيراً للانتباه حقاً أن ينشغل المهتمون بهذه القضية بمسائل فرعية من قبيل توقيت إثارة موضوع الوجود السوري وأبعاده الخارجية وينسون الموضوع نفسه. في هذا الاطار يجري الحديث كثيراً عن دوافع من ينتقدون هذا الوجود ومن يسعون لإبراز التناقض الحاد بين الالتزام القومي بمساعدة اللبنانيين على حل أزمتهم وبين الوصاية عليهم باسم هذا الالتزام. ويقال في حق هؤلاء انهم مدفوعون من الخارج وان دعواتهم تصب في نهاية المطاف في صالح إسرائيل، وأنها تستهدف حرمان سوريا من استثمار النصر الذي حققته المقاومة اللبنانية في إخراج الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان. ويقال في حق هؤلاء انهم يصفون حساباً أو يأخذون ثأر حق سلبهم إياه اتفاق الطائف. فهم بإثارة مسألة الوجود السوري في لبنان إنما يرمون إلى استعادة بعض الامتيازات والمكاسب التي خسروها أو تنازلوا عنها، ثم اكتشفوا خطأ ما فعلوا! ويقال في حقهم أيضاً ان بعضهم مدفوع من جانب إسرائيل لإثارة المتاعب لسوريا، سيما في هذا الظرف بالذات حيث العملية السلمية مجمدة وحيث يتولى تيار التطرف الإسرائيلي ممثلاً في شارون زمام الحكم في إسرائيل. لكن هؤلاء المتحدثين والمنتقدين، وبعد أن ينتهوا من حديثهم ومن انتقاداتهم لا يطرحون شيئاً ذا قيمة في واقع الأمر، يخص موضوع الوجود العسكري السوري في لبنان، فيتبدى كما لو أن الموضوع برمته لا يخصهم، أو هو مختلق ولا وجود له على أرض الواقع، فلا مشكلة ولا قضية ولا هم يحزنون. وبعض هؤلاء ممن يمتلك قدراً من الحساسية يجازف برد المشكلة إلى علاقة بين الحكومتين «اللبنانية» والسورية، فهما الوحيدتان اللتان، حسب رأيه، يحق لهما الخوض في هذا «الموضوع الحساس». وانه في كل الأحوال ينبغي التزام الهدوء والتريث وإعطاء الفرصة للقيادة السورية الجديدة كي ترتب أولوياتها وتحدد الوقت المناسب لمعالجته في إطار الحوار والتشاور الأخوي اللبناني السوري. أما الخروج للشارع وإثارة نقاش عام حول الموضوع، فهو برأيهم، لا يخدم لبنان ولا يخدم سوريا وانما يخدم إسرائيل! فهل يمكن أن تحل المشكلة بهذه الطريقة ووفق منطق كهذا؟ الواقع يقول كلا، بدليل أن 25 عاماً من الوجود السوري لم تجعل منه وجوداً مريحاً للبنان أو لسوريا نفسها. إن من المفيد ان نلفت الانتباه هنا إلى ان هذا الطرح الذي يرد المشكلة السورية في لبنان إلى العامل الخارجي (الإسرائيلي تحديداً) أو إلى عوامل داخلية مفتعلة، هو في حقيقته يستخدم إحدى وسائل الدفاع التقليدية التي يتقنها الخطاب العربي ويوظفها من اجل التغطية على المواقف الآيلة للسقوط والبطلان، كلما شعر هذا الطرف العربي أو ذاك بالضعف وتهافت الحجة. ويمكننا ان نحصي عشرات الأمثلة في كل دولة عربية كنماذج على هذا الطرح الذي يعيد كل مشكلة متفجرة إلى «وجود عملاء وخونة» وكل معارضة فاعلة إلى «مؤامرة خارجية». تأجيل الحل لكن وهنا المفارقة الجديرة بالتأمل، أنه وفي أية دولة عربية واحدة لم تنجح هذه الوسيلة ولم تؤد إلى حل أية مشكلة، وإنما في أحسن الأحوال أدت إلى تأجيلها وترحيلها عاماً بعد عام وجيلاً بعد جيل حتى تنفجر في نهاية الأمر في وجوه الجميع. إن السؤال الجوهري الذي بقي بدون إجابة مقنعة حتى الآن رغم الجدل الكبير الذي أثير حول الوجود السوري في لبنان هو: لماذا تتمسك سوريا أساساً بوجودها العسكري في لبنان بعد أكثر من عشرة أعوام على انتهاء الحرب الأهلية وبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان؟ ما هي الأسباب والدوافع الحقيقية وراء هذا التمسك؟ هل ثمة مخاوف سورية من اجتياح إسرائيلي جديد للبنان يهدد أمنها وسلامة أراضيها؟ هل هناك مخاوف من انهيار السلم الأهلي في لبنان؟ أم أن الوجود هو مصلحة استراتيجية سورية خالصة؟ الواقع أنه لا سوريا تجيب عن هذا السؤال، ولا اللبنانيون يلحون في طلبه. كل ما يمكن سماعه هو أصوات بعضها يدعو لخروج سوريا من لبنان، وبعضها الآخر يطالب ببقائها. لكن في كل الأحوال وحتى بافتراض أن ثمة ما يبرر استمرار الوجود السوري، فالأفضل أن يتم ذلك برضى جميع اللبنانيين وبإرادتهم الحرة، التي يعبر عنها صندوق الاقتراع، والاستفتاء النزيه الذي ليس بحاجة إلى بهرجة وتطبيل إعلامي. ـ كاتب بحريني