مع مرور كل يوم يضيق أكثر فأكثر هامش المناورة التي تمارسها الحكومات العربية تجاه المشهد الفلسطيني الملتهب. فالجنرال أرييل شارون لم يترك زيادة لمستزيد، بتأكيده كل يوم وبالفم المليان على رؤيته الثابتة لمستقبل الأرض الفلسطينية وشعبها. وهي رؤية وسيلتها الحرب الإبادية المكشوفة وغايتها استدامة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي للشعب الفلسطيني وأرضه بصورة مستحدثة. فهل تواصل الحكومات العربية ترديد أسطورة «إعطاء شارون فرصة» على خلفية مشهد فلسطيني تتضاعف خطورته الدموية يومياً؟ مع إحداث نقلة نوعية في التعامل الحربي مع المقاومة الفلسطينية أعاد شارون إعلان البنود الرئيسية الارتكازية لخطته بشأن المستقبل الفلسطيني. وهذه البنود التي لا تحتمل أدنى تأويل أو تفسير تتلخص في الآتي: ـ «دولة» فلسطينية تقوم على رقعة لا تزيد على 42% من مساحة الضفة الغربية (بالاضافة إلى 70% من أرض غزة). ـ لن تقوم هذه «الدولة» إلا بموافقة إسرائيلية.. مما يعني أن إسرائيل سوف تواصل شن الحرب الراهنة على الشعب الفلسطيني لأن الهدف النهائي للانتفاضة هو بطبيعة الحال تحرير الأرض المحتلة كلها. ـ هذه «الدولة» يجب أن تقبل بوجود حدود لسيادتها.. وتفسير هذه الحدود كما ورد في بيانات شارون بالغة الوضوح هو كما يلي: ـ أن تكون دولة منزوعة السلاح. ـ أن تسيطر إسرائيل على حدودها الجغرافية «لمدة سنوات». ـ ألا يكون بإمكان الدولة إبرام معاهدات مع «دول عدو لإسرائيل». ـ الابقاء على المستوطنات اليهودية في غزة والضفة لضمها إلى إسرائيل. بكلمات أخرى لن تسمح إسرائيل على الإطلاق ـ بناء على خطة شارون ـ بقيام دولة فلسطينية بمعنى دولة حقيقية وفقاً لمباديء القانون الدولي. فالشروط الشارونية لن تجعل المصير النهائي للأرض الفلسطينية المحتلة سوى أن تكون ولاية تابعة لإسرائيل وخاضعة لها. وكيف تكون غير ذلك إذا كان الكيان الفلسطيني الذي يتصوره شارون هو كيان بلا سيادة وطنية وبلا جيش وبلا علاقات مع العالم وبلا سيطرة على الحدود الجغرافية حتى لو تغاضينا عن التحجيم الجغرافي لرقعة هذا الكيان وحصرها في أقل من نصف مساحة الضفة الغربية (بالاضافة إلى معظم غزة)؟ هذه هي الخطوط العريضة لخطة شارون المراد إعطاؤه «فرصة» أو «مهلة». ومن السخرية حقاً ان شارون نفسه لا يطلب من العرب فرصة أو مهلة.. ويرفض حتى مجرد التفاوض على خطته. إن ما تطلبه إسرائيل الشارونية من الفلسطينيين والعرب هو ببساطة الاستسلام الكامل بقبول خطته بلا مناقشة أو مراجعة. ولأن شارون يدرك سلفاً أنه لم يولد بعد ذلك الفلسطيني الذي يتوافر له استعداد مبدئي بقبول هذه الخطة، وبالتالي التضحية، بأكثر من نصف قرن من الرفض الفلسطيني، فإنه اعتمد الحرب كوسيلة وحيدة للتعامل مع الشعب الفلسطيني لحين إشعار آخر.. وهي حرب تفرز في كل يوم جديداً من وحشية القمع التصعيدي. فماذا تنتظر الحكومات العربية إزاء هذا المشهد. شارون لا يريد فرصة أو مهلة بعد أن عقد عزمه على الإبادة.. وبالتالي يضمحل الآن سريعاً هامش المناورة الذي تعتمده الحكومات العربية لاختلاق معاذير تلو معاذير لتبرير «السلام هو خيارنا الاستراتيجي». هذا هو السؤال الذي يؤرق الآن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية قاطبة.