بعد أقل من سنة من الآن سوف ينعقد المؤتمر الدوري الثاني للقمة العربية في لبنان، ولبنان يعيش اليوم، وربما لأشهر مقبلة، حمى البحث عن مرفأ دافيء يستضيف فيه إخوانه العرب دون قلق أو تململ. ولعل من المصادفات غير الحسنة أن تُسخّن الأجواء اللبنانية في هذا الشهر (ابريل)، الذي يصادف أيضاً مرور ستة وعشرين عاماً على اندلاع حرب أهلية شاملة، لم تكن الأولى في تاريخه، ولكننا نرجو أن تكون الأخيرة، فهذه التظاهرات والهراوات والسكاكين والبنادق تذكرنا بما شاهدناه من إرهاصات الحرب الأهلية الأخيرة، والتي بدا أن أحداً لا يريد الحديث حولها، وتحولت شيئاً فشيئاً إلى حدث طاريء وخارجي في الأساس، ثم ما لبث قرنها أن ظهر في الفترة الأخيرة من بين الأنقاض منذراً بشر مستطير. إشكالية لبنان ولعل إشكالية لبنان ليست خاصة به من المنظور السياسي، إشكالية لبنان هي إشكالية نجدها في العديد من الدول العربية الحديثة، وهي القدرة على ترسيخ وفاق وطني، دون اللجوء إلى الدكتاتورية، فلقد كان لبنان بعد الاستقلال صورة ناصعة للتعايش السلمي والطوعي بين فئات لبنانية ارتضت أن تبقي صفها الوطني ـ في حدوده الدنيا ـ متماسكاً مع بعض الاضطراب، ولكنه كان الاضطراب المفضي إلى التوازن، حتى أرادت فئة أن تقلب الطاولة في وجوه الجميع، فكانت الحرب وكان التدخل الإسرائيلي وكان الدمار. بعض البلاد العربية أحدثت وفاقاً وطنياً قهرياً بقوة المخابرات الداخلية والتصفيات والمتابعة الحثيثة والمراقبة اللصيقة للصوت الآخر. وحده لبنان ـ في فترة من تاريخه ـ استطاع أن ينجز المطلوب، وهو وفاق وطني غير قهري، كان شعاره الأكثر ترديداً «لا غالب ولا مغلوب»، وتتكيف نخبته السياسية بين متطلبات الضغوط الخارجية وتعاملات المجتمع الداخلي التعددي. الوفاق الوطني ليس صورة ثابتة أو جامدة، بل هو نسيج متطور من معاني الحياة وأنشطتها، وتفاعلات الشعب وتطلعاته. ولقد تحول الوفاق الوطني اللبناني بمرونة في بعض الأوقات وبصعوبة في أوقات أخرى، إلا أن للبنان ثوابت دائمة، لا يبتعد عنها، فله عروة وثقى هي بيئته العربية، وله هواه الخارجي أيضاً، وأي اختلال في المعادلة يدفع اللبنانيون في سبيله الثمن الغالي. لعل الدرس الأهم في أحداث الحرب اللبنانية التي استمرت بين اللبنانيين على أقل تقدير خمسة عشر عاماً (متزامنة مع بعض التدخلات الخارجية، بل وبسببها) أنهم في فترة من تاريخهم ارتضى بعضهم أن يميلوا كل الميل في المعادلة القائمة بين انتمائهم العربي وهواهم الخارجي، ومما زاد الطين بلة في ذلك الظرف التاريخي، أن ذلك الهوى وجد بعضهم في أوائيل الثمانينيات أنه هوى إسرائيلي، مما فجر كل التناقضات الكامنة وشق الوفاق الوطني، مع ظرف عالمي وإقليمي عصيب، فتحول لبنان الشعلة إلى لبنان الخرائب والظلمات. الورقة الإسرائيلية اليوم سقطت بعد ظهور أكثر من مؤشر لا يكذب، فبعد أن تقدمت الدبابات الإسرائيلية إلى بيروت تبين على عكس ما صوّره الاستقبال الأول لها، أنها جاءت تحمل أجندة خاصة بها، ومن ثم فهي لن ترضى عن أي طائفة لبنانية إلا وهي تطبق حرفياً تلك الأجندة، فأصبحت الخسارة واضحة، وتحولت من فقدان نسبي محتمل للاستقلال اللبناني إلى فقد كلي مؤكد لهذا الاستقلال، ولكن ورقة التوت سقطت على الأرض في الانسحاب الأخير من الجنوب، وهو الانسحاب الذي تخلت إسرائيل على أثره حتى عمن ناصروها، طوال تلك السنين الممتدة من الاحتلال، من بعض الفئات اللبنانية، من دون أن تشعر بحرج أو تقدم اعتذاراً، تركتهم ليواجهوا مصيراً أسود على المستويين الوطني والمعيشي في آن واحد. مراجعة شاملة لبنان اليوم ـ وهو يمر بمرحلة مراجعة شاملة ـ يحتاج إلى أن يقرر بأقصى ما يستطيع من كثرة عددية، وبأعلى ما في مقدوره من صوت، أن يقرر الموازنة بين الانتماء العربي والاستقلال الوطني. وأحسب أن الكثيرين في الفضاء العربي السياسي يجب أن يعينوه على هذا القرار. فلبنان دون استقلال واضح ومحدد هو لبنان يفتقد الوفاق الوطني الذي قد يؤدي إلى اضطراب ليس في أرجائه وحدوده فحسب، ولكنه يتجاوزه كثيراً إلى الجوار وما بعده. كما أن لبنان منقطعاً عن جذوره العربية يؤدي ـ ولا شك ـ إلى اضطراب اقتصادي وسياسي، وهو ما يقود إلى اختلال في الوفاق الوطني. ومن ثم فإن على الجميع أن يتفهموا المصالح المرسلة للبنان من حوله وفي داخله من خلال هذه المعادلة. لقد عودنا بعض السياسيين في لبنان الخلط الشديد بين استحقاقات داخلية صغيرة وجانبية، وبين استحقاقات لبنانية كبيرة، كأن هؤلاء ينسون أن ما للوطن ينبغي أن يفوق ما للفئات الصغيرة أو حتى الكبيرة فيه. هذا الخلط الذي اتضح في الأشهر الأخيرة يوجع لبنان ويوجع محبيه ويفتح ثغرة أخرى في الجدار العربي لا يريدها أحد على كثرة ما يعاني هذا الجدار من التصدع والتهدم. ومن خلال نظرة سريعة إلى القوى التي تدخلت في الحرب الأهلية الأهلية الكريهة الأخيرة، نكتشف أن العديد منها تدخل لمصلحة طرفين متناقضين، ولم يكن تدخله لمصلحة لبنان حتى لو من المنظور الضيق لأحد الأطراف، بل لمصالح أخرى علاقتها بأجندة الطرف المتدخل أكبر منها بأجندة أي الأطراف اللبنانية. وعندما بحث لبنان عن الحل الناجع لمشكلته الكبيرة وحربه الدامية، لم يكن هذا الحل في نيويورك أو باريس، أو في أي مكان آخر، بل كان في الطائف: الحضن العربي الذي يرى ضرورة أن يكون لبنان مستقلاً وسيداً، من دون أن يملي على أهله أجندة خاصة به، سوى وفاق اللبنانيين واستقرار بلدهم. رؤية متوافقة استقلال لبنان وتوازنه يحتاجان إلى رؤية لبنانية متوافقة، كما يحتاجان من الأطراف العربية العون والمساعدة في وضع سقف زمني توافق عليه الأطراف المختلفة للوصول إلى تلك النتيجة. ولا شك في أن المتسرعين مخطئون في استعجال النتائج، كما أن المتباطئين مخطئون في التسويف، وبين الإسراع والتباطؤ يمكن أن ينزلق لبنان ـ مرة أخرى ـ في أتون صراع قد نعرف بدايته ولكن يستعصي على المتابع أن يتنبأ بنهايته، خاصة أنه لا لبنان ولا الأمة العربية في حاجة إلى صراع جديد، أو أزمة جديدة، في هذه المرحلة الحرجة التي يواجه فيها العرب الكثير من التحديات. على العقلاء من الأطراف المختلفة اليوم التحدث بصوت مسموع في نبذ العنف من جهة، والإصرار على تحديد سقف زمني من جهة أخرى لوضع الأمور في نصابها، فالتسويف مسوغ لإفادة أطراف لا تريد للبنان الاستقلال ولا التنمية، والصوت العالي المشحون بالتحدي يصب في ذلك الاتجاه حتى لو حسنت النيات. ترتيب الأولويات إذا كان الوفاق الوطني اللبناني يتجلى في صورة مؤسسية في لبنان اليوم، فإن هذه الصور هي البرلمان اللبناني والأحزاب اللبنانية المختلفة. ومن حال التشاور والتراضي بين هذه الأطراف، يتحقق الوصول إلى فرز الأولويات اللبنانية وترتيبها، وبالتالي تنطلق حركة لبنان إلى المستقبل، فهذا البلد الصغير بحجمه، الكبير بحضوره العربي والدولي وعمقه الحضاري، يستحق منا جميعاً أن ننظر لما يدور فيه نظرة جادة، فإن اهتزت قاعدة الوفاق الاجتماعي المشترك في لبنان في هذه الأجواء العالمية التي تسودها الدعوة لحقوق الإنسان وتجتاحها العولمة الغامرة، فقد ينتهي الأمر باختلالات كبيرة في الجسم العربي، ويتأثر الغير بتداعياتها، فيفقد الجسم الاجتماعي مناعته وحيويته، ومن ثم تفقد البوصلة السياسية اتجاهها. من أجل هذا كله، وترتيباً عليه، أجد أننا جميعاً معنيون بما يحدث في لبنان وأهله... الذين هم أهلنا. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب