في كل دول العالم، اذا وقفت امام «كاونتر» الدفع يسألك المحاسب: كيف تريد ان تدفع؟ ويقصد الطريقة التي تفضل ان تدفع بها ثمن مشترياتك: نقداً ام ببطاقة الائتمان ام بالشيكات. عندنا في الامارات، لم يعد احد يقبل ان يستلم شيكاً من احد فهذه الطريقة تثير الريبة في نفوس الجميع، ويرفضها كل الذين يعلمون من قريب او بعيد مشكلة الشيكات المرتجعة التي يبدو وكأنها بحر متلاطم من التعقيدات والفوضى وضياع الحقوق. لقد حمل اليّ أحد المصرفيين السابقين ممن ينوء كاهلهم بعبء قضايا الشيكات المرتجعة، همومه ومعرفته الدقيقة بتفاصيل ومسارات هذه المشكلة المؤرقة، وجلس معي طويلاً، يتحدث ليس على سبيل الثرثرة اوالتخفف من عبء المشكلة، وانما بحثاً عن مخارج وحلول تحفظ للناس حقوقهم، وتعطي للقانون هيبته وتخفف من هذا الترهل او الضعف في البناء القانوني الذي يقف امام هذه المشكلة حائراً، ما يجعلها تنمو وتتزايد بشكل ولد حالة من عدم الثقة في التعاملات البنكية والتجارية والفردية، اضافة الى فقدان الشيك كمستند ووثيقة صفته القانونية واهميته. وبالفعل فأنت لا تجلس مع احد لديه تعاملات تجارية او مالك لعقار مثلاً او مصرفي او صاحب شركة او ... الخ الا ويحكي لك عن آخر شيك ذهب ليصرفه فاتضح له بأنه بلا رصيد وحينما ذهب به الى الشرطة باحثاً عن حقه بدأت دوائر البحث اللامجدي عن صاحب الشيك، فإذا احضرته انت للشرطة ثم فتحت قضية ضده وحول للمحكمة وبدأت الاجراءات التي لا تنتهي لصالحك في كل الاحوال، ولا تحصل على اموالك بالتأكيد خاصة اذا كان صاحبنا صاحب الشيك المرتجع قد قبض عليه وعلى ذمته قضايا اخرى وشيكات لا أول لها ولا آخر! اما اذا لم تحضره ولم تعثر له على عنوان، فعوضك على الله حتى تجده مصادفة اذا قدر الله لك ذلك. ولأن كمية الشيكات المرتجعة قد زادت عن حدها، ما ترتب عليه ضياع حقوق الناس بالفعل دون تعويض او أمل في الحصول عليها، ولأن نتيجتها النهائية حسرة في نفوس الدائنين وشعور بانعدام الامان على الاموال والممتلكات، في الوقت نفسه الذي لا تترتب على مجرمي الشيكات المرتجعة اي عقوبات رادعة بل يشعر كثيرون وكأن قانون العقوبات يقف حائراً امام جريمتهم فيكافئهم بالسجن المخفف في سجون «فايف ستارز» توفر لهم النوم المريح والوجبات الجيدة والتسلية، وتمر الأيام ويخرجون ليعيثوا في المجتمع فساداً مستغلين ثغرات القانون وضعفه ازاء بعض الحالات كحالة الشيكات المرتجعة. واذا لم تستح كما يقول المثل فافعل ما شئت، ومن أمن العقوبة أساء الأدب، وسرقة اموال الناس وأكل حقوقهم مقابل شيكات بلا قيمة تقابلها عقوبات في منتهى السهولة والبساطة لا يقود الى ترسيخ مبدأ العدالة ولا هيبة القانون ولذلك فإن عقوبة رادعة ومقلقة للاجنبي الوافد ضرورية جداً نقصد بها عقوبة الابعاد عن البلاد ضد كل وافد يصدر شيكاً بدون رصيد بقيمة 50 ألفاً فما فوق، وايضاً العقوبة نفسها ضد كل من تصدر ضده احكام في قضايا شيكات مرتجعة لأكثر من مرة. هي اقتراحات او شيء من التفكير في حلول قد تكون صائبة وقد تحاصر هذه الظاهرة الخطيرة، فبالتأكيد لن يكرر المجرم جريمته اذا وجد عقاباً رادعاً وحاسماً ولكنه اذا لم يجد فلا بأس بأن يعيدها مرة ومئة.