لا يختلف اثنان في الوطن العربي على انهما لا يريدان جراحا جديدة في لبنان بعد ان نزفت طوائفه في حرب 1975 البغيضة التي اتت على البشر وفتت البنى التحتية وخسرت الاقتصاد الوطني ملايين الدولارات، وتركت في الجسد العربي المدمى ذاكرة من الالم نحتاج لمئات الاميال من السنوات الضوئية لنسيانها ومحوها. لا يختلف اثنان مطلقا على ان لبنان الذي نجح بعد سنوات من المعاناة الثقيلة استطاع ان يدحر اسرائيل ويطهر اراضيه من دنسها، ولا يختلف اثنان على ان اللبناني باختلافات مذاهبه وولاءاته عاد بعد فصول مأساته معافى القلب وقادرا على الابتسام ورسم تلاوين الامل متجها بقوة الى قلب وطنه الكبير. ولا يختلف اثنان على ان لبنان الذي ينهض الان ويتواجد الان يؤثر فينا بقوة، واننا نحتاجه لمستقبلنا، ونحتاج اختلافاته الفكرية والعقائدية لردم هوة الخسران الحضارية، وخلق معادلات في القيم الانسانية تجعل منه بؤرة لاشعاع النور والفكر والثقافة والاقتصاد. ولا يختلف اثنان في اقصى الشرق وفي غربه على اننا لا نحتاج من لبنان آلاما تسكننا الى الابد، لاننا ومنذ ان وعينا ونحن نرسم في كراستنا المدرسية لبنان العرب الحر الابي، ولا نريده ان يشعلنا الا في الاتجاه الصحيح ويدفعنا بالحب الى كتلة صلدة تتكسر عليها الشوكة اللعينة التي تنخر الارض من اجل خنوع لا نرضاه. بالامس اسمعنا الحريري رئيس الوزراء كلاما طيبا يثلج الصدر، ومع كتابة هذه السطور يكون الرئيس لحود والبطريرك صفير والزعيم الدرزي وليد جنبلاط قد التقوا على نقطة وفاق تؤلف قلب لبنان الكبير وتجعله اكثر دفئا بفئاته وطوائفه، وتكون المصلحة العليا للوطن والامة قد ضربت اطناب خيمتها من اجل جيل قادم بلا ارض محروقة وبمساحات كبيرة خضراء تنمو فوقها الاحلام. نريد للبنان هذا الدفء وهذا الحرص الكبير من فئات شعبه على امنه واستقراره ووحدته ونهضته ونريد لكل اللبنانيين ان يندفعوا باتجاه كل السبل الكفيلة بصناعة مجتمع قادر على العطاء لابنائه بالعبور فوق المسائل الداخلية، وخلق لغة حوار وطني يتحدث باسم لبنان الواحد المتجسد من خلال كل الاختلافات والتعدديات.. فهذا هو في النهاية ما سيجعل منه وطنا مستحيلا على الكبوات الكبيرة. قبل ايام كانت محطة تلفزيونية قد انتهت من اذاعة آخر حلقات برنامج تسجيلي حمل عنوان حرب لبنان، ومنذ الحلقة الاولى وحتى الاخيرة كانت مشاهد البرنامج لا تدفع بالمشاهد العربي الا لمزيد من الاسى والحسرة على اولئك الاطفال و الشباب، الرجال والنساء، الشيوخ والعجائز الذين دفنتهم احجار البيوت التي تهدمت فوق رؤوسهم واهدرت دماءهم في الازقة والشوارع اطنان من قذائف الفرقة والاختلاف في وقت كان عصيبا على الامة، وأيام سوداء كم نتمنى ان تمحى من الذاكرة. لبنان في قلب كل عربي نافذة حرية.. لا تجعلوها تخنقنا كما كانت في 1975 ولياليها المشتعلة بنيران الدم والبارود.. افتحوها للحوار فهناك مئات الآلاف من عيون الصغار تطل منها على الامان.