كان رجلاً فاضلاً ومواطناً محترماً حين رشح نفسه في انتخابات محلية في الحي الذي كنا نسكن فيه في مرحلة الطلبة ومطالع الشباب ولست اذكر ـ بعد كل هذه السنين ـ نوعية المهنة التي كان يعمل بها.. وان كنت اتصور انه كان معلما او مفتشا «موجها بلغة العصر» في المدارس الحكومية وكانوا يسمونها آنذاك بالمدارس الاميرية وكانت موضع فخر واعتزاز للملتحقين بسلكها من تلاميذ ومدرسين... فيما كان الالتحاق بمدارس التعليم الخاص اقرب الى المسبة والعوار.. حيث لا تقبل سوى اصحاب المجاميع الهزيلة والدرجات الشاحبة الشحيحة... ناهيك عن ان التلميذ المسكين كان يخفض رأسه الصغير خجلاً لانه يتعلم في المدارس الاهلية لقاء مصاريف يدفعها الاهل... ورغم انها كانت زهيدة الا ان الامر كان مرادفا لخيبة المسعى وقلة الحيلة فانظر ـ متأملا ـ انقلاب الموقف وتغير الاحوال في زماننا الراهن. يرجع مرجوعنا الى المرشح الفاضل الذي قررنا ـ ونحن في حمية المراهقة ان نشن على ترشيحه حربا شعواء.. ولم يكن في المرشح عيب ولا كان بوسع مداركنا حتى ان ندرك او نحلل وجود نقيصة هنا او سلبية هناك في سيرة المرشحين .. ومع ذلك فقد اعلنت الحرب من جانبنا واستخدمنا اساليب الاشاعة الزاحفة والقصة الرمادية والدعاية السوداء ومحاولات اغتيال الشخصية ـ الى آخر الاساليب التي لم نكن نعرف وقتها أننا سوف نتعلمها في مرحلة الدراسة في معاهد الاعلام. وحين اعلنت نتائج الانتخابات.. وسقط المرشح المسكين تبادلنا التهاني في حماقة منقطعة النظير ولو كان في يدنا دراهم كافية لوزعنا الشربات على طريقة المصريين... ومكمن الحماقة ان حربنا لم تكن ضد المرشح الطيب المهيض ولا ضد برنامجه الانتخابي «ولم يكن لديه برنامج اصلاً فالانتخابات كانت على مستوى الحي الصغير او الفريج المحدود» لقد كانت معارضتنا المريرة اللدودة موجهة ضد اسم المرشح المذكور. نعم.. اعلنا حربنا الشعواء ـ الحمقاء حتى لا ننسى ـ ضد اسم رجل لم يكن له ذنب فيه كان اسم مرشحنا هو: «زنباع» وكان اسما ـ كما ترى ـ غريبا وفريدا ولكنه اثار غيظنا قبل ان يثير ضحكنا.. واثار حماقة الصغار فينا قبل ان يثير قدرتنا على التأمل والمفاضلة واتزان الاحكام. ومازال المرء لا يدري لم اقدمت اسرة في القرن العشرين على ان تطلق على ولدها اسم «زنباع» ومع ذلك فهناك نوع من تخريج او تبرير هذه التسمية تعود بها الى عبارة «ذو الباع» على وزن «ذو الفقار». «ويقال انه كان يطلق على اسم السيف الذي كان يحارب به امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضى الله عنه» او «ذو المجاز» وهو اسم السوق ـ المهرجان التجاري الثقافي الشهير الذي كانت شهرة تطاول او تكاد شهرته «سوق عكاظ» الشهير في حياة العرب الجاهليين. وربما صدقت سنن التطور وآفات التصحيف والتبديل على تسمية «ذو الباع» وهي صعبة بداهة على ألسنة العامة في مصر وفي غيرها ومن ثم فقد تناهت التسمية في الزمان الحديث او المعاصر وقد تحولت بها ألسنة الدهماء عن المعنى الايجابي المفهوم الذي يفيد القدرة بل والامتياز واحيانا التخصص في هذا الميدان او ذاك وهو ما تفيده عبارة «ذو الباع» الى ان أصبحت ـ كما أسلفنا ـ تسمية بغير معنى واسما بغير مفهوم هو الاستاذ «زنباع» او زنباع افندي ناهيك عن الاستاذ الدكتور زنباع او المطرب الفنان زنباع فما بالك لو اتيح للمومأ اليه ـ كما كانوا يقولون زمان ـ ان يصبح وزيرا او رئيسا مما يدفع الناس الى ان يسبقوا اسمه زنباع بلقب صاحب المعالي او صاحب الدولة او صاحب الفخامة. مع ذلك فقد جاء زماننا الراهن لكي يزيل مثل هذه الحساسيات تجاه الاسماء او يمحو الكثير منها... الا ترى مثلا ان من خيرة مطربي زماننا الفنان «علي الحجار» واخوه «احمد الحجار» وبديهي ان اسم الحجار صعب ان يكون مرادفا لما يصاحب فن الطرب من الرقة من حيث النغم والاحساس على السواء، اين هذه التسمية العفوية ـ وقد تمسك بها المطربان علي وأحمد اقتداء بوالدهما الفنان الكلاسيكي ابراهيم الحجار ـ من حرص فناني اجيال سبقت على اتخاذ ـ احيانا انتحال ـ اسماء كانوا يرونها اكثر شياكة وارهف اناقة واجمل ايقاعا.. وعندما دخل يوسف بيك وهبي احد الملاهي في مدينة حلب في ثلاثينيات القرن الماضي اعجبه صوت مطربة الملهى الشابة وقرر ان يكتشفها ويقدمها للسينما ودنيا الطرب في القاهرة وعندما سأل عن اسمها قالوا انه «الكسندرا بدران» وساعتها قرر ايضا ان يغير الاسم وقدمها الى الناس باسم جديد وجميل ايضا هو «نور الهدى». نفس المقياس مع تغير الظروف تم تطبيقه مع المطربة «جانيت فغالي» التي مازال الناس يعرفونها باسم «صباح» (لاحظ حكاية الضوء والنور والشروق بين نور الهدى و.. صباح) ومع نهاد حداد ـ على ما نذكر ـ التي ما ان تذكر اسمها فيروز حتى يتناهى الى اعطافك عطر الفن الراقي ويتسلل الى جوانحك رحيق الابداع الذي يجمّل وجه الحياة ويحلق الى ذرا النبل في سلوك الانسان والأمثلة في دنيا الفن كثيرة.. فقد ماتت «بدوية السيد» وقد نيفت على الثمانين بعد ان ظل الناس على مدى نصف قرن او يزيد يعرفونها باسم «تحية كاريوكا» وهي الفنانة التي اختصها المفكر العربي ـ الامريكي ادوارد سعيد بمقال اقرب الى دراسة تحليلية وسيكولوجية بالغة التأثير والتكثيف. ام كلثوم هي التي تمسكت باسمها منذ طلعت شمسها البهية على الحياة الفنية بالوطن العربي في اوائل عشرينيات القرن.. في تلك الفترة كان العرف الفني يطلق القابا على المطربات اقرب في تصورنا الى اسماء السجل التجاري: نعيمة المصرية.. تودد السويسية.. لبيبة الكمسارية.. منيرة المهدية.. لكنها كانت ام كلثوم.. وكفى.. وربما كان صعبا ان يطلقوا عليها مثلا اسم ام كلثوم.. الدقهلاوية نسبة الى مسقط رأسها الى الشرق من دلتا النيل. وفضلا عن صعوبة النطق باسم الدقهلية «ولسنا ندري اصل التسمية ولن نشغل انفسنا بتأصيلها» فقد كان اسم «ام كلثوم» اسما كلاسيكيا يبعث على التيمّن ويستعيد به الناس عترة النبي عليه الصلاة والسلام.. وربما كانت ام كلثوم مدركة واعية بهذا المعنى.. فليس صدفة مثلا ان كان آخر وانجح افلامها السينمائية يحمل الاسم الغالي على الناس وهو «فاطمة» ولا هي صدفة ان بدأت ام كلثوم حياتها بقصائد تلقيها في اسواق الريف في مدح الرسول.. ثم توسطت مسيرتها الفنية الطويلة الناضجة انشادها اجمل الاغنيات من شعر شوقي والحان السنباطي في مديح الرسول ايضا.. نهج البردة والهمزية النبوية «ولد الهدى فالكائنات ضياء» والى عرفات الله وسلوا قلبي التي بلغت فيها الذرا حين أنشدت: مدحت المالكين فزدت قدرا وحين مدحتك اقتدت السحابا ولا صدفة ان حرصت قبل رحيلها الى عالم البقاء بسنوات قليلة على ان تنشد في زيارة الاراضي المقدسة اغنيتها التي بدأها العم بيرم التونسي بكلمات تقول في عامية اقرب الى الفصحى: القلب يعشق كل جميل. الى ان تقول: دعاني لبيته لحد باب بيته لما تجلى لي بالدمع ناديته لماذا تمسكت ام كلثوم باسمها الاصلي فلم تغيره مثلا الى «هيفاء البادية» او «حسناء المدينة». لانها كانت ولاشك تعرف المعنى الحقيقي لكلمة «الكلثوم» عند العرب. وفي هذا تقول مؤرخة حياتها وراوية سيرتها الدكتورة «نعمات احمد فؤاد» في كتابها الجامع بعنوان ام كلثوم.. عصر من النغم»: الكلثوم هو الحرير يكون في رأس العَلَم وقد كانت ام كلثوم لنا حريرا وخيرا كثيرا وذخرا كبيرا.