شعوب كثيرة على وجه الأرض، وعلى وجه الخصوص شعوب العالم الثالث، ضعيفة. وأحد الأسئلة هو كيف تكتسب تلك الشعوب القوة التي تمكنها من حماية أنفسها ومن طرق طريق التقدم ومن السير على الطريق المفضي، إلى الرقي الحضاري واستيعاب المنجزات الحضارية الحديثة ومن تأكيد ذاتها ومن تحقيق الرفاهة الاقتصادية؟ الطريق الذي يسهم في تحقيق هذه الأهداف هو إدراك وإعمال حقوق الإنسان. للإنسان الحق الطبيعي في الابتكار والانشاء والابداع، بما في ذلك الابداع الفني الذي يشير إليه وإلى فرديته وتفرده. وكما ان من حق الرجل أن يبدع فمن حق المرأة أن تبدع. وكما ان من حق الرجل أن يعمل فمن حق المرأة أن تعمل. وكما ان من حق الرجل أن يكون جسده ونفسه معافيين وسليمين فمن حقها أن يكون جسدها ونفسها معافيين وسليمين. حق المرء والمرأة في الابداع جزء لا يتجزأ من حقهما في الحياة وفي تحقيق ذواتيهما. وبما ان الفن من موسيقى وغناء وشعر ورسم ونحت تعبير عن الابداع فانه حق طبيعي من حقوق الإنسان. وبما ان عددا من الفنون لا يتجسد إلا بالكتابة فان الكتابة حق من حقوق الإنسان. ومن حقوق الإنسان الحق في تطوير العلم الذي يكتشفه. ومن حقوق الإنسان التنقيب عن النفس والذات والموضوع لمعرفة ما حوله من الأشياء والموجودات. حق طبيعي وبما ان الحياة معطاة من الله الخالق فمن الحقوق الطبيعية حق الإنسان في الحياة وفي موطن أو موئل أو أرض يقيم عليها ويلوذ بها وتتكشف ذاته فيها وتتجلى عبقريته عليها. وبما ان الحياة والمحافظة عليها حقان طبيعيان فان حرية التعبير عن الذات والفكر النابعين من الحياة حق طبيعي، إذ بذلك التعبير يمكن للإنسان أن يحمي حقه الطبيعي في الحياة وفي المحافظة عليها. وبما ان امتلاك الأرض الموطن حق طبيعي فالمحافظة عليها واستقلالها من الحقوق الطبيعية أيضا. والاعتقاد تجل للإنسان الحي، تجل لحياة الإنسان. فهو أيضا حق طبيعي. وإعمال العقل واطلاق الخيال أيضا حقان من حقوق الإنسان الطبيعية. فالله لم يخلق العقل ليكون معطلا عن العمل ولم يخلق الخيال ليقيده البشر. وأي حق متفرع عن الحقوق الطبيعية حق طبيعي. وفي نظر الله الخالق العادل البشر متساوون. وبالنظر إلى تساوي البشر فاقامة العدالة حق طبيعي من حقوق الإنسان. وإذا أخذ بمفهوم من المفاهيم في مجال معين أمكن الأخذ بذلك المفهوم في مجالات أخرى. تحرير الوطن من المفاهيم المقبولة والشائعة في الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وذلك المفهوم صحيح. وقياسا عليه من الصحيح الدعوة إلى تحرير النفس من ادرانها ومن الخطيئة، وتحرير الإنسان من العبودية وتحرير المرأة من الجور، وتحرير العقل من الأوهام والخزعبلات والترهات والأباطيل، وتحرير الشعب من الاستغلال، وتحرير الحس من الغشاوة عليه، وتحرير العاطفة من الكبت والقمع، وتحرير الفقراء من الجوع، وتحرير المحتاجين من الحاجة، والخائفين من الخوف، وتحرير الإنسان من قيود نفسه، وتحقيق حرية الرأي والنظرة، وحرية اكتشاف المجهول وحرية الغوص فيه. ومن السليم أن يكف المستغل عن استغلال المستغل. هذه الفكرة مقبولة وشائعة عموما. وبناء وقياسا على ذلك يتوجب على القاهر أن يكف عن قهر المقهور وكف المقيد عن تقييد الفكر. ولا يمكن تحقيق التغيير الجوهري الحقيقي المنشود في حياتنا دون تحرير العقل والنفس. ومما من شأنه أن يسهم إسهاما كبيرا في تحرير العقل والنفس التنشئة على ممارسة الحرية الفكرية والتفكير المستقل وغرس القيم العربية والإسلامية والإنسانية التي لا يختلف اثنان على رفعتها ونبلها. الحرية الفكرية هذه الطريقة في القياس تنطبق على كثير من المفاهيم. وصفة الانطباق هذه هي اللحمة التي توحد الفكر البشري وهل تجل للروح البشرية. فالأوطان والشعوب والنفس والبشر - كل هذه المخلوقات تنتظمها فكرة واحدة - فكرة تحريرها. انها تتحد في لزوم التحرير وفي انها لا تحتمل التقييد. والظلم والاستغلال والقهر والتقييد تنتظمها فكرة واحدة، فكرة لزوم الكف عن ممارستها. والفكرتان كلتاهما، فكرة التحرير وفكرة الكف عن التقييد، تنتظمها فكرة أعلى وأسمى وأشمل، فكرة انطلاق النفس البشرية بطبيعتها. والحياة والرأي والتعبير والاعتقاد وغيرها من المفاهيم التي تنتمي إلى حظيرتها تنتظمها فكرة واحدة، فكرة جدارتها بالتمتع بالحرية. ومن هنا لا يصح تقييد هذه الحرية إلا بمقدار ما في تقييدها من أثر في منع نشوء الفوضى الاجتماعية وفي المحافظة على الصالح العام وفي مراعاة القيم العامة العليا التي يجمع أفراد المجتمع عليها. ومن هنا أيضا فان مصادرة الرأي واستبعاد الآخر ونفيه وقمعه وحرمان الآخرين من حياتهم ومن أسباب رزقهم والتسلط والاملاء تتنافى ليس مع الحرية فحسب ولكن مع الطبيعة أيضا. وعن طريق ممارسة الحرية الفكرية يلج الإنسان في عوالم جديدة كانت مغلقة في وجهه قبل هذه الممارسة. عن طريق ممارسة هذه الحرية يتم اقتحام حصون كان الفكر المقيد يخاف من اقتحامها، بل يخاف من التفكير في اقتحامها. ومن شأن هذا الاقتحام أن يزيد معرفتنا بالعلة والمعلول في المجال الاجتماعي وبطبيعة العلاقات المتبادلة بين المصالح الاجتماعية والاقتصادية وبطبيعة الأدوار التي تؤديها الأطراف النشيطة في لعبة أو مسرحية الحياة وبالاعتبارات المكشوفة والخفية للأطراف اللاعبة وبالأسباب الحقيقية الكامنة وراء تخلفنا النسبي في مجالات كثيرة. باقتحام هذه الحصون التي قد تكون مرعبة نكون قد اقتحمنا الحصون المرعبة الكائنة في نفوسنا، ونكون قد اوغلنا في التعرف على خبايا نفوسنا، ونكون قد طرحنا الاسئلة التي لم نجرؤ على طرحها وحاولنا بشجاعة ان نجيب عن هذه الاسئلة، ونكون قد ازحنا الستار عن مكنونات نفوسنا تلك المكنونات التي خشينا من الاقرار بوجودها ومن الاعتراف بقصدنا نسيانها حتى لا نجهد انفسنا، بمعرفة طبيعتها. مواجهة الحقيقة باقتحام هذه الحصون نكون قد انتصرنا على الخوف من مواجهة ذواتنا ومن مواجهة حقيقة ذواتنا، قد اكتشفنا نفوسنا وعرفناها، ونكون قد اسعفنا نفوسنا من الحمل الثقيل المؤذي الذي تحمله وتنوء بحمله، حمل التهرب من مواجهة الحقيقة العارية ومن معرفة الحقيقة العارية، حلم التلفيق والتبرير والتسويغ والمراءاة والكذب، حمل تزاحم شخصيتين داخل نفس الانسان، حمل التحسر على اضاعة الفرص السانحة في الحياة، حمل التبرم الخفي بالقيود المفروضة المناوئة للطبيعة البشرية. باقتحام هذه الحصون نكون قد عرفنا مواطن الضعف فينا، ونكون قد عرفنا سبب اشياء كثيرة: لم تخترق امرأة رخيصة من الشرق او من الغرب عددا كبيرا من رجال العرب، لم يفش قائد عسكري اسرارا عسكرية خطيرة وهو يرتمي في احضان فتاة، لم لايؤبه كثيرا بالرأي العربي في الاوساط الدولية، لم اصبحنا مستضعفين، لم دب الوهن في نفوسنا، لقد وضعت في العقود الاخيرة نتاجات ادبية عربية ترقى بمستواها البنيوي والمضموني والاسلوبي والجمالي الى ذروة الادب العالمي، ولاتتداول او تذكر وسائط الاتصال العالمية قسما كبيرا من هذه النتاجات، عدم التنويه بهذه النتاجات يعزى الى اسباب منها تقصير هيئات الاتصال العربية في تعريف العالم بالادب العربي وايضا الى ضعف المركز العربي على الساحة العالمية. لقد فقدنا قدرا كبيرا من التوزان النفسي، تدفع قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية نفوسنا باتجاه واحد، ناسية او مهملة اتجاهات اخرى، وبذلك فقد قدر كبير من التوزان في بنيتنا النفسية، تطغى في بنية نفوسنا مداميك التكيف مع القهر الاجتماعي والاقتصادي ومع الفاقة الاقتصادية ومداميك القبول والانقياد، ومداميك رد الفعل والتبرم ومداميك التعاسة والشقاء وكادت تختفي او ضعفت في نفوسنا مداميك تأكيد الذات والحس بضرورة الحرية والتساؤل والتمنع والمبادرة. ـ استاذ دراسات الشرق الاوسط ـ الولايات المتحدة