دول الاتحاد الأوروبي واليابان وروسيا والصين.. كل منها له تناقضاته المصلحية مع الولايات المتحدة. ولغياب استراتيجية جماعية عربية لاستغلال هذه التناقضات سياسيا، يظل موقف هذه الدول تجاه قضية الصراع العربي الاسرائيلي اما مجاريا للموقف الأمريكي أو فاترا. وقس على ذلك بقية القضايا العربية، السياسي منها والاقتصادي. إن للدول الأوروبية واليابان والصين مصالح متنامية في الأسواق العربية.. وتتعامل في الوقت نفسه اقتصاديا وتجاريا مع اسرائيل. وعلى الصعيد السياسي تتخذ جميع هذه الدول موقفا متوازنا تجاه القضية الفلسطينية يساوي بين القوة الاحتلالية الاسرائيلية وحركة التحرر الفلسطيني.. لانها مطمئنة إلى ان مصالحها في الأسواق العربية لا تمس. وكيف تمس وحكومات هذه القوى الخارجية ترى عديدا من الدول العربية نفسها تمارس علاقات تجارية واقتصادية مع اسرائيل جهرا أو خفية؟ إن حكومات الدول العربية تطلب من دول الاتحاد الأوروبي من حين لآخر المشاركة في آليات «عملية السلام» على أمل ان هذا التدخل الأوروبي سوف يكسر من حدة التحيز الأمريكي للطرف الاسرائيلي. ولكن عندما ترفض الولايات المتحدة في عناد دخول أي طرف آخر في عملية السلام فان الدول العربية تلوذ بالسكوت السلبي. بالاضافة إلى ذلك فان دول الاتحاد الأوروبي تنزع الآن إلى انتهاج سياسة دولية مستقلة في سبيل تمردها على الهيمنة الأمريكية.. مما أدى إلى نشوء نقاط اختلاف واحتكاك بينها وبين الولايات المتحدة. وأحدث مثال لهذا النزوع الاستقلالي الأوروبي توافق دول الاتحاد على مشروع لانشاء قوة تدخل أوروبية خارج اطار الحلف الأطلسي الخاضع للسيطرة الأمريكية. وهناك بين الطرفين مشاحنات تجارية متصاعدة حول الحماية الجمركية التي يمارسها كل من الطرفين ضد الآخر.. هي مشاحنات مرشحة لان تتحول إلى حرب تجارية شاملة. هذه أيضا فرصة أخرى مهدرة عربيا. فمن المتاح أمام الدول العربية مجتمعة أن ترسم تحركا تجاريا ذكيا نحو أمريكا وأوروبا بغرض اللعب على هذه التناقضات لاستثمارها سياسيا لصالح الحقوق العربية ومن أجل عزل اسرائيل. ويمكن توسيع هذا التحرك ليشمل اليابان والصين أيضا. لقد شهدنا وشهد العالم كله كيف خذلت الدول العربية ثلاث قوى خارجية - فرنسا وروسيا والصين - دخلت في معركة دبلوماسية رهيبة من أجل العراق ضد الولايات المتحدة على صعيد مجلس الأمن الدولي. فقد اكتشفت هذه القوى الثلاث انه ليس بوسعها التشدد في هذه المعركة ضد الطرف الأمريكي طالما ان هناك دولا عربية تدعم الموقف الأمريكي العدواني ضد دولة عربية أخرى هي العراق. ولو دعمت الدول العربية هذه القوى الثلاث لاضطرت الولايات المتحدة إلى الموافقة على رفع العقوبات المفروضة على العراق دون قيود أو شروط. وأسوأ من ذلك ان هذه القوى الدولية الثلاث تسمع من وقت لآخر تهديدا عربيا بتحجيم وجودها في السوق العربية كلما تشددت في المطالبة بالغاء نظام العقوبات الذي يحاصر العراق. ويبقى سؤال: ما الذي يجعل دولا عربية تتمسك بتحالف مع الولايات المتحدة رغم كل شيء؟ ردا على هذا السؤال يقال لك ان هذه الدول ترتبط مع أمريكا برباط مصالح متبادلة. لكنها اجابة غير مقنعة. لان المصالح المتبادلة بين طرفين تقتضي أن يكون التعامل بينهما على أساس التكافؤ وليس طريقا لاتجاه واحد. وهذا هو نوع المنطق الذي يتسبب في اهدار الفرص الواعدة الماثلة أمام العرب.