كلما جاء ذكر حق الناس في التعبير عن آرائهم في المجتمع، وكذلك حرية الصحافة وتوجهاتها الانفتاحية، قفز من آخر الصف ومن أوله من يتهمنا بأننا نزايد كثيراً على هذه المسائل، وبأننا نكذب على انفسنا اذا اعتقدنا بأن العالم العربي يمكن ان يعترف بحرية التعبير وحرية الصحافة، فليس هناك لا حرية صحافة ولاهم يحزنون. سألت احد هؤلاء غير المؤمنين بحرية الرأي والصحافة عن وجهة نظره في عدم وجود مثل هذه الحقوق في المجتمع العربي بشكل عام فأجاب: بأن نظام التنشئة الذي يخضع له الفرد أو الانسان في المحيط العربي يعوده منذ نعومة اظفاره على عدم الكلام بصوت عال في حضرة الكبار، وعلى عدم معارضة هؤلاء الكبار اذا تحدثوا سواء أخطأوا أو أصابوا لان ذلك من علامات قلة الادب والتربية، وتظل هذه التوجيهات تلازمه في المدرسة والعمل والاسرة واحياناً في الشارع. هذا الفرد الذي يتربى على ان الرأي الآخر مواز لاعلان الخطأ أو الخطر وتهمة بقلة الحياء ومجلبة للضرر، يربي نفسه على البعد عن المهالك جميعها، وتترسخ في ذهنه عقيدة ان الكلام من فضة لكن السكوت من ذهب! هذا في مجتمعاتنا النامية التي وصلت بسبب هذه التربية الى درجة عدم الثقة في مقدراتها وافرادها وحقوقها فصارت تفرط في حقوقها ببساطة خشية رفع الصوت للمطالبة بها، فاذا رفعت صوتها اتهمت بالجنون والحماقة، لانها تناطح قوى عظمى لا يجوز مناطحتها، وكأن المفروض ان يظل الفرد العربي صغيراً طوال عمره يحدث هذا في عالمنا، بينما يمارس الآخرون هذا الحق (حق التعبير وحرية الصحافة والرأي الآخر وكافة حقوق الانسان) كما يمارسون حق التنفس والمشي بحرية في شوارع المدينة، ولذلك فحينما سئل وزير الخارجية الفرنسي (هوبير فيدرين) من يحكم العالم؟ لم يقف حائراً بل أجاب بسرعة: الامريكيون الذين يدخرون في صناديق المعاشات، ورجال المال، ومديرو الشركات، والصحفيون، وصانعو افلام السينما و... من وجهة وزير خارجية فرنسا فإن الصحفيين احدى القوى الضاغطة والمؤثرة التي تحكم العالم، فهل يمكن ان يحكم العالم اناس محكومون بقوانين العيب والطواريء؟ الاجابة معروفة، ولذلك فتأثير صحفيي العالم الثالث في شئون شعوبهم ومجتمعاتهم لا يصل الى درجة ان يندرجوا تحت تصنيف وزير خارجية فرنسا! هل سيأتي يوم ويحكم صحفيو العالم الثالث عالمهم؟ ويحكم هنا لا تعني المفهوم السياسي الذاهب نحو السلطة والرياسة ولكن المعنى هنا ينحصر في التأثير والقدرة على التغيير والدفع نحو اتخاذ قرار سياسي قد يقلب أوضاعاً وقد يغير اخرى، وذلك لا يكون الا حين تتوفر لهم ضمانات الحرية، وتوفر المعلومات والاطلاع على الحقائق الضرورية المؤدية لصناعة رأي حر ورأي عام.