«مات وليام هانا» خبر عابر احتل زاوية صغيرة بين عشرات الأخبار في الصفحات الأخيرة من جرائدنا المحلية، لكنه فتح طاقة على مساحة من الذاكرة واسعة وارتبط بأيام الطفولة الأولى حيث الرسم على جدران الذاكرة أسهل ومساحات الفراغ فيها أوسع. كان ذلك في أواسط الستينيات من القرن الماضي.. و«القرن الماضي» كلمة غير محببة إلى النفس نحاول قدر الامكان عدم الاقتراب منها لما تجرّه علينا من اكتئاب سببه ذلك الإحساس بقوة اندفاع وجريان نهر السنين، ولكنها الحقيقة التي لا مهرب منها. كانت الإمارات وقتها تفتح عيونها على أول مظاهر النهضة، وكانت وسائل العصر الحديث تتسلل إلى مجتمعنا على خجل، وكانت الإمكانات أيامها متواضعة. في تلك الحقبة كان التلفزيون جهازاً عجيباً مبهراً، وكان ترفاً غير متاح للجميع، فقليلون هم الذين يستطيعون امتلاك جهاز سحري كهذا، إذ يتوجب على من يفكر في اقتنائه أن يكون ساكناً في بيت مبني من الطوب والأسمنت حيث كانت البلاد تعيش مرحلة الانتقال من خيام الجريد إلى بيوت الأسمنت، وأن تكون الكهرباء قد دخلت البيت كي يمكن تشغيل التلفزيون. ولذلك فقد كان انتشار الأجهزة محدوداً جداً مما حوّل البيوت التي استطاع أهلها اقتناء جهاز تلفزيون إلى مناطق استقطاب ونقاط جذب حيث غدت محط أنظار أطفال البيوت الأخرى المحرومة من هذا الجهاز لمشاهدة البرامج التي كانت تبثها آنذاك محطتا الكويت وأرامكو بالسعودية كلما أزفّ المساء، الأمر الذي أصبح فيه وجود تلفزيون في البيت مصدر إزعاج لم يضعه أصحاب تلك البيوت في حسبانهم عندما اقتنوا تلك الأجهزة. كنا مجموعة من الاطفال نتجمع في ساعات المساء الاولى في أحد البيوت التي جلبت لها بحبوحة العيش تلك وجع الرأس هذا. وكنا نحرص على التواجد مع بداية الإرسال لمشاهدة الرسوم المتحركة التي تبثها المحطتان عادة بعد الافتتاح بالسلام الوطني فالقرآن الكريم ثم عرض البرامج. ولأنه لم تكن هناك في ذلك الوقت أقمار صناعية للبث التلفزيوني ولا فضائيات فقد كانت مشاهدة التلفزيون مرتبطة بفصل الصيف وبالأيام التي ترتفع فيها نسبة الرطوبة على وجه الخصوص لتتمكن أجهزة الاستقبال من التقاط بث قناتي الكويت وأرامكو، أما في فصل الشتاء فتحال أجهزة التلفزيون للاستيداع حيث تتحول الشاشة إلى لوح من الزجاج لا حياة فيه. ولكن ما علاقة «وليام هانا» بكل هذا؟ وهل كان واحداً من رفاق الطفولة الذين ضمتهم تلك الجلسات وتسابقوا للجلوس أمام شاشة التلفزيون قبل موعد عرض الرسوم المتحركة في بيت من البيوت التي أنعم الله على أهلها بجهاز تلفزيون فتحولت هذه النعمة الى نقمة وتحولنا نحن معها الى أسراب نمل تتقاطر زاحفة كل مساء إلى كومة من السكر؟ بالتأكيد لم يكن «وليام هانا» واحدا من رفاق الطفولة ولم تطأ قدماه هذه الأرض، ولكنه كان حاضراً كل مساء عندما تبدأ فقرة الأطفال بالرسوم المتحركة فيطل علينا اسم «هانا ـ باربرا» في بداية كل فقرة كرتونية وفي نهايتها، ولم نكن نعرف وقتها عن هذا الاسم سوى أنه الكلمة السحرية التي تبعث في قلوبنا الفرح وهي تعلن لنا بدء لحظات من المشاهدة ممتعة ثم نودّعها بأسى مع انتهاء الفقرة. هكذا انطبع اسم «وليام هانا» وشريكه جوزيف باربرا في أذهاننا منذ الصغر من خلال مجموعة افلام الرسوم المتحركة التي تسللا بواسطتها الى قلوبنا فجعلا من «توم أند جيري» رمزاً لانتصار المخ على العضلات، وتغلّب الذكاء على القوة، ومسرحاً لخيال لا حدود له نجد أنفسنا في كثير من الأحيان موغلين فيه منغمسين حتى النخاع. كيف فكرّ وليام هانا في خلق هذا العالم الجميل من أفلام الكرتون وهو الذي تلقى تعليمه في الهندسة؟ إنها الحاجة التي ألجأته في فترة الكساد إلى العمل في أحد استوديوهات هوليوود بقسم الأحبار والأصباغ لينتج مع شريكه جوزيف باربرا لعالم الصغار هذه المجموعة الرائعة من الشخصيات الكرتونية التي عرفنا منها «هكلبيري هاوند» و«يوغي بير» و«ذي فلنتستونز» تلك العائلة التي تعيش في العصر الحجري ولكنها تستخدم أدوات وأجهزة حديثة مصنوعة من الحجر حيث كانت تستهوينا صيحة كبير العائلة فريد فلنتستون الشهيرة «يابا.. دابا.. دو» وكانت حصيلة عشرين عاماً من العمل في انتاج حلقات «توم اند جيري» إحراز سبع جوائز أوسكار والعديد من الجوائز الاخرى. تمضي السنوات.. ويكبر اطفال الأمس.. وتتغير معالم الصورة من حولهم.. تختفي منها أشكال المعاناة التي عاشها الآباء والأجداد، وينتشر العمران في كل مكان، وتصبح صور الماضي جزءاً من ذاكرة الأجيال، وعلى وجه التحديد ذلك الجيل الذي عاش المرحلة الانتقالية من عصر ما قبل النفط إلى هذا العصر الذي تقبع فيه خيام الأمس في المتاحف والقرى التراثية لتذكّر جيل اليوم والأجيال القادمة بحياة لم يعرف فيها أسلافهم مكيفات الهواء ولا برادات الماء ولا وسائل النقل الحديثة. ويأتي زمن تتبدل فيه الأحوال ويدخل فيه جهاز التلفزيون كل بيت بل يحتل ركناً في كل غرفة من غرف المنزل مهما كان عددها، ولا يغدو ذلك الترف الذي لا يتمتع به إلاّ المقتدرون، وعوضاً عن تجمّع أطفال الحي في بيت واحد لمشاهدة التلفزيون ينزوي كل فرد من أفراد الاسرة في غرفة منفصلة لمشاهدة برامجه المفضلة، وتحل مئات المحطات محل تلفزيوني الكويت وأرامكو، وتحلّ الأقمار الصناعية مشكلة المرسلات الأرضية وعدم وضوح الإرسال، ولا يصبح للرطوبة أهمية أو دور بوجود الفضائيات، أما الافتتاح بالسلام الوطني والقرآن الكريم وعرض البرامج فتغدو تقليداً لا يتذكره سوى اولئك الذين عايشوا بدايات البث التلفزيوني في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم العربي بعد أن تواصل إرسال المحطات التلفزيونية على مدار الساعة. وهكذا تتبدل الحياة من حولنا وتتوفر لنا كل وسائل العصر وتصبح طوع أمرنا، تجلب لنا كل أسباب الراحة وتوفِّر لنا رغد العيش، لكننا نفتقد أشياء جميلة لم يعد لها وجود في حياتنا. نحنّ إلى تلك المساءات الرائعة التي نجري فيها ونتسابق للوصول إلى أحد تلك البيوت حيث يقبع ذلك الجهاز الساحر العجيب.. ننتظر إشارة البدء عندما يطالعنا اسم «هانا ـ باربرا» معلناً بدء فقرات الرسوم المتحركة التي نشاهدها فتتسلل إلى وجداننا حاملة براءة تلك المرحلة.. مرحلة الطفولة التي يعيدنا إليها خبر صغير احتل زاوية في الصفحات الأخيرة من جرائدنا المحلية «مات وليام هانا» أسطورة الرسوم المتحركة الذي كرس حياته كي يخلق لنا هذا العالم الجميل الذي طالما تمنينا أن نسكنه، وعندما عجزنا عن ذلك أسكنّاه نفوسنا التي مازالت تحنّ إليه، ولكن هيهات لعجلة الزمن أن تدور للوراء وشتّان ما بين الأمنية والواقع.