القدس التي صارت عنواناً لمفتاح سحري تراه القيادات الأمريكية المتعاقبة وتحاول من خلاله تأمين مصلحة مشتركة لها كقيادة ولإسرائيل التي لا تقدم مباركتها لقادة الولايات المتحدة، إلا بعد امتحان في أوراق الدعم السياسي المرهون بالإعلان عن نقل السفارة الأمريكية الى القدس ليكون ولاء الرئيس الأمريكي مطلقاً للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أولاً وفي العالم ثانياً، وهذه النظرة التي قد تبدو بديهية عند البعض أو فيها مغالاة عن الآخر لكنها عملياً عنوان لكل القيادات الأمريكية وإن لم تكن كذلك أي فإن أي زعيم أمريكي يحاول الهروب من شباك اللوبي وإسرائيل سيكون مصيره حتماً بعيداً عن البيت الأبيض الذي يمتليء بالعناكب الصهيونية القادرة على التهام كرسيه في أية لحظة بعد أن توقعه في شبكة من شباكها الكثيرة. بوش ... بوش استحضار الماضي الأمريكي في لحظات مناقشة تأثير اللوبي الصهيوني وإعلان بوش الابن تمسك الولايات المتحدة بنقل سفارتها الى القدس فيه الكثير من المقارنة الفاعلة على المستوى السياسي وما يطمح به الرئيس الجديد الذي جاء الى البيت الأبيض ويحمل معه نصف المجتمع الأمريكي المعارض لرئاسته ليشكل له هاجس الاستمرار في ولاية قادمة منذ لحظة البدء في ولايته الحالية، والتجربة المؤلمة في تاريخ الأب تؤكد سعي الابن لهذه النظرية البسيطة المرتبطة أصلاً بعدم استطاعة الرئيس الأمريكي الهروب من شباك الصهيونية، ففي عهد الأب (بوش) الذي أوقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل المتمثلة بقرض قيمته عشرة مليارات دولار مخصصة للاسكان ولكن ضمن شرط ايقاف الاستيطان الذي لم يتوقف فكان مصير الأب هجمة صهيونية شرسة لم تطال خسارته في الانتخابات لدورة رئاسية ثانية بل تكالب عليه اللوبي الصهيوني بعد أن قال متأففاً: «كفى.. لقد أصبح الأمر مملاً أن تجد أكبر قوة في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) أن سياستها في الشرقين الأوسط والأدنى تملى بوساطة إسرائيل» ولكن هذا جعل بوش الأب ممللاً للولايات المتحدة؟! وجاء الابن محاولاً تأكيد ولائه ليس لليهود فقط كما هي الصورة العامة بل أيضاً للمسيحيين من البروتستانت الذين يرون أن بقاء إسرائيل مرتبط بإيمانهم وهم الذين يعارضون الحزب الديمقراطي كونه ليبرالياً وبذلك يؤيدون بوش الجمهوري مع اليهود المتشددين الذين انتخبوا بوش للسبب ذاته ولكنهم لم يتجاوزوا 20% من أصوات اليهود في الولايات المتحدة. والسؤال الآن هل بإعلان بوش الابن نقل السفارة الى القدس فيه مكسب للأصوات اليهودية فقط؟ الواقع أن ذلك وارد في حسابات الرئيس الحالي ولكن ذلك مرتبط أيضاً بتأييد البروتستانت لتلك الفكرة وهذه الفكرة تتوضح أكثر بالدائرة المتطرفة التي أحاط بها بوش نفسه وقدم كل ولائه للمتشددين بل ان شارون بدأ يملي إرادته على البيت الأبيض محاولاً قلب صورة الإرث الذي ورثه الابن عن أبيه، فأثناء لقاء شارون بالرئيس الأمريكي حصلت مفارقة تاريخية تتجلى بإعلان الحكومة الإسرائيلية استئناف بناء 2800 مسكن لليهود بمستوطنة (حار حوما) بالقدس الشرقية والمعروف أن بوش الأب قد أرسل وزير خارجيته آنذاك جيمس بيكر ليطلب من شارون نفسه والذي كان يشغل منصب وزير الاسكان الإسرائيلي في تلك المرحلة، أرسله مطالباً وقف قرار شارون مصادرة أراض عربية لبناء مستوطنة (حار حوما) ذاتها التي أعلن عن استمرار البناء فيها وفي هذه النقطة نرى دليلاً واضحاً على إعلان بوش الابن الولاء للصهيونية كي تنسى ماذا فعل الأب. وصايا يهودية كيف يفكر الرئيس الأمريكي في ملفات الشرق الأوسط وتحديداً في ملف نقل السفارة الأمريكية الى القدس؟! على الرغم من ان وسائل الاعلام قد تناقلت تفسيرات مختلفة عن نقل السفارة الأمريكية الى القدس، إلا ان الواضح هو ورود ذلك في سياق الكلام وبشكل لا يقبل الشك على لسان الرئيس ووزير خارجيته ويبدو هنا ان الرئيس الأمريكي يريد ان يخطو على خطا سلفه بيل كلينتون الأكثر تشدداً لإسرائيل من أي رئيس آخر. ولعل إعلان الادارة الأمريكية عن عدم تدخلها المباشر في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية هو إعلان فيه الكثير من الألغام التي تحاك ضد القضية الفلسطينية ليس لأن الراعي الأساسي في عملية السلام موضوعي القالب في تلك المفاوضات بل لأنه (الراعي) يستغل إعلانه هذا كي يجعل الفلسطينيين يقدمون تنازلاتهم التي لم يقدموها لايهود باراك في عهد كلينتون. ففي كامب ديفيد الثانية قدمت ورقة أمريكية لحل قضية القدس تتركز بتقسيمها الى ثلاث مناطق، المنطقة (أ) تحت السيادة الفلسطينية وهي تضم بعض الأحياء العربية ولكنها تعزل الحي العربي القديم، المنطقة (ب) تكون تحت السيادة الإسرائيلية الفلسطينية، أما المنطقة (ج) فهي إسرائيلية كاملة وتضم الأقصى مع حق رفع العلم الفلسطيني فوقه وتأمين ممر المصلين والزائرين وبذلك تقسم المدينة كما هي أراضي السلطة الفلسطينية الى ممرات وأنفاق وجيوب وتصبح شكلاً جغرافياً لا مثيل له في العالم!! ومما يذكر أيضاً في هذا الشأن ان باراك وافق أن يكون جزء من القدس تحت السيادة الفلسطينية مع البلدة القديمة اضافة الى الانسحاب من الحرم القدسي مع سيادة دولية على المسجد الأقصى، ولكن كل ذلك رفضته السلطة الفلسطينية متمسكة بقرارات الشرعية الدولية بهذا الشأن، ولعل هذا قد أعطى انطباعاً للرئيس جورج بوش أن إسرائيل في عهد باراك قد تنازلت كثيراً فكيف وقد أتى شارون ومن هنا أراد الرئيس الأمريكي أن يضغط على الفلسطينيين بإعلانه تأييد نقل سفارة بلاده الى القدس. وبذلك يضرب عصفورين بحجر الأول الضغط على الفلسطينيين والثاني كسب إسرائيل واللوبي اليهودي ليس في الولايات المتحدة فقط بل وفي العالم أجمع. ولكن بوش لم يكتف بذلك بل استخدم الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن ضد مشروع قرار دولي يقضي بإرسال قوة من المراقبين الدوليين الى الأراضي المحتلة لحماية الشعب الفلسطيني. بل هو يأخذ بالإملاءات الصهيونية سواء من شارون أو من غيره فها هو معهد واشنطن الذي أسسه اليهودي مارتن انديك يريد من بوش معارضة اجراءات من طرف واحد كالدولة الفلسطينية ويؤكد له على ضرورة الضغط على السلطة الفلسطينية لتقديم التنازلات ولعله هنا قد فعل كما أراد المعهد بتأييده نقل سفارة بلاده الى القدس في سبيل الضغط على الفلسطينيين. إرادة شارون الولايات المتحدة التي تصرح أحياناً أنها ستنقل سفارة بلادها من تل أبيب الى القدس بعد المفاوضات والوصول الى حل بشأنها فهي تطلق هذا التصريح المليء بالسم لأن فيه اعترافاً مباشراً بالقدس عاصمة للدولة العبرية رغم ان هذا الاعتراف يرد ايضاً مباشراً وأحياناً متناقضاً حينما تعلن أن حل القضية الفلسطينية مبني على القرار 242 وهو الذي يؤكد انسحاب إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها عام 1967 وبالطبع فإن هذه الأراضي تشمل القدس الشرقية. هذا التناقض يزداد غموضاً مع ارادة شارون الذي يرى ان استراتيجية إسرائيل وأمنها تتمثل في إعلان القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل وعدم العودة الى المفاوضات قبل وقف الانتفاضة التي يدعوها (العنف) ويطمح شارون بتثبيت أقدام الجيش الإسرائيلي والدولة العبرية في القدس كاملة أي احتلالها مع الامتداد الى وادي الأردن الذي يعتبره جزءاً من إسرائيل وأمنها، والواضح أن هذا التناقض بيّن رغبته الكاذبة في العودة الى السلام وبيّن رغبته في الاحتلال انعكست بشكل واضح على موقف الإدارة الأمريكية التي تأثرت كثيراً بإرادة شارون حينما جعلت ملف العراق وإيران في المرتبة الأولى لأولوياتها في الشرق الأوسط بل لعل شارون قد تجرأ أكثر من ذلك حينما طالب الرئيس الأمريكي بعدم التعاون مع سوريا ولبنان وعدم استقبال رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في البيت الأبيض، وهو بذلك يريد خضوعاً تاماً من الولايات المتحدة لإسرائيل ولا يكتفي بإعلان بوش استعداده لنقل سفارة بلاده الى القدس، وهذا في الواقع أمر عجيب لا يمكن تفسيره دون الاعتماد على الأسباب التي أوردتها رغم ان بعض هذه الأسباب قد يبدو غريباً أو بسيطاً ومع ذلك فإنها مجتمعة تؤلف حقيقة بأن الادارة الأمريكية وليدة العهد عاجزة عن التخلي عنها. قدس العرب الموقف العربي الرسمي والشعبي متفق بشأن القدس وقرارات القمم العربية عبر عنه ببيان قمة عمان الأخير الذي يرى قطع العلاقات مع الدول التي تحاول أن تنقل سفارتها الى القدس أو تعترف بها عاصمة لإسرائيل وهذا ما تكرر منذ عام 1980 ولكن ألا يمتلك العرب سوى هذا التهديد؟! الواقع أن العرب يمتلكون أكثر من ذلك فعلى المستوى الداخلي للولايات المتحدة فإن الأصوات العربية والإسلامية قد أوصلت بوش للرئاسة حيث قدمت له 70% من أصواتها وعجز اللوبي اليهودي عن فعل مضاد هذه المرة، أضف الى ذلك ان الواقع يمنع بوش من خسارته للعرب وللنفط العربي وللأسواق العربية وحتى للتوازن الاستراتيجي الأمريكي الذي يسعى الى السيطرة. وهذا كله بيد العرب اضافة الى القرارات الدولية التي تقف مفهومياً أمام السياسة العربية وتساند توجهاتها الحالية فالعرب هنا يجب أن يتعاملوا مع مفهومين الأول حماية القدس التي تحتاج الى 30 مليار دولار لمدة ثلاث سنوات لسير المؤسسات المقدسية ومساعدة أهل القدس في النهوض بالاسكان وترميم البلدة القديمة وبناء البنية التحتية وهذا يحتاج الى الكثير الكثير، كما أكد فيصل الحسيني مسئول ملف القدس. والمفهوم الثاني هو نقل المفاوضات من البيت الأبيض الى هيئة الأمم المتحدة ومطالبتها بتنفيذ قراراتها أو الإعلان الرسمي عن عدم مصداقيتها علها تعتمد منهجاً آخر في التعامل مع القضية الفلسطينية التي باتت معلقة بين مدافع شارون وإعلانات بوش. ـ كاتب فلسطيني