الفرص متعددة ومتاحة أمام الدول العربية ولكنها تبقى حتى إشعار آخر وفي غياب إرادة جماعية موحدة فرصاً مهدرة. فما هي هذه الفرص؟ لنبدأ بالولايات المتحدة نفسها.. أو بالأحرى الداخل الأمريكي. فالمتاح للحكومات العربية هنا هو أن يكون لها «لوبي» خاص داخل مؤسسات السلطة العليا الأمريكية، خاصة الكونجرس بمجلسيه ليكون رأس حربة أمريكية للمطالب والقضايا العربية في مواجهة اللوبي اليهودي. واللوبي ـ أي لوبي في الولايات المتحدة ـ ليس مجرد مجموعة أعضاء من الكونجرس تتبنى مشروعات قانونية أو تخاطب لجان «الاستماع» البرلمانية أو تصوت لصالح اقتراح أو مشروع قانون معين. هذا هو الشكل الخارجي للوبي. أما مخبره فيتمثل في مجموعة من الشركات الأمريكية النافذة التي تقف وراء مجموعة الأعضاء البرلمانيين لتبني سياسات ومواقف وقضايا دولة معينة أو مجموعة دول معينة ترتبط مصالح هذه الشركات بأسواقها. وربما تكون الصين مثلاً قد بلغت أخيراً مستوى قوة عالمية عظمى بسبب التسارع الأسطوري لمعدلات نموها الاقتصادي لكن لا يقل أهمية عن ذلك، أو نتيجة له، أن للصين نفوذاً قوياً داخل المؤسسات الأمريكية بفضل اللوبي الصيني الذي يتكون من شركات عملاقة صار لها ارتباط مصالح متينة ومتنامية مع السوق الصينية. فهي، أي هذه الشركات العملاقة، بانحيازها للصين سياسياً واقتصادياً انما تنحاز في الحقيقة الى مصالحها التجارية الحيوية. قياساً على هذا المثال فإن الفرصة المتاحة أمام العرب واضحة كالشمس. فاللوبي العربي، على غرار اللوبي الصيني أو حتى اللوبي الكوبي مثلاً، يمكن أن يتكون من شركات المقدمة التي تتعامل مع الأسواق العربية... وهي الشركات النفطية وشركات الصناعات العسكرية. وإذا كان صحيحاً أن الدول النفطية العربية سوف تنهار صناعتها النفطية، ولو لأمد محدود، إذا انسحبت منها شركات النفط الأمريكية فإن الصحيح أيضاً وبالقدر نفسه أن هذه الشركات سوف تنهار إذا خسرت وجودها في صناعات النفط العربية. هذه العلاقة العضوية المتينة هي التي يجب أن تكون نقطة انطلاق لتكوين اللوبي العربي داخل الولايات المتحدة. وما يقال عن شركات النفط الأمريكية ينسحب على شركات انتاج السلاح والتجهيزات العسكرية التي تعتمد على السوق العربية بحسابات الحياة أو الموت. وقس على ذلك شركات في مجالات أخرى: المقاولات والانشاء، الأغذية، السيارات، تجهيزات الاتصالات ... الخ. كل هذه الشركات المتعاملة مع السوق العربية لو اجتمعت وتحالفت في إطار لوبي واحد لصالح الأهداف العربية لاستطاعت بهذا اللوبي تحقيق اختراق تلو اختراق داخل مؤسسات الحكم الأمريكية لصالح العرب بما يؤدي أخيراً الى إحداث تغيير جذري في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. ولكن كيف تتخذ هذه الشركات مثل هذه المبادرة بينما لا يطلب منها أحد من أصحاب المصلحة الأصلاء ذلك؟ وكيف تتصرف من تلقاء نفسها في هذا الاتجاه فتتعرض لغضب اليهودية الأمريكية وهي في غنى عن هذا الغضب حيث أن مصالحها الحيوية في العالم العربي تظل مضمونة بدون ركوب هذه المخاطرة الجسيمة؟ إن المبادرة في هذا الاتجاه يجب أن تأتي أولاً من الطرف العربي. لكن الشرط الأول لبلورة مثل هذه المبادرة هو اجتماع الدول العربية على قلب رجل واحد... وهو للأسف شرط غائب تماماً.