المخرج المصري العالمي يوسف شاهين يمر بحالة صحية حرجة. وطوال الشهور الماضية كان يقضي معظم وقته في المستشفيات وبين أيدي الأطباء في محاولات مستميته لإنقاذه.. وبين تعليمات الأطباء، ألا يشاهد الأخبار على التلفزيون.. فالفنان الرائع حين يشاهد أحداث الإنتفاضة وما يتعرض له الأطفال الفلسطينيون على أيدي النازيين الجدد يدخل في نوبة بكاء متواصل تنتهي بدخوله في حالة غيبوبة. بالطبع.. لا يستطيع الأطباء منع العرب أجمعين من متابعة أحداث المجزرة الإسرائيلية على التلفزيون، وربما لإدراكهم أن الحالة العامة للعرب مازالت تتحمل المزيد، وربما لأنهم لا يحتاجون والحمد لله إلى ما يدخلهم في حالة الغيبوبة، بل هم في أشد الاحتياج إلى ما يخرجهم منها!! إننا نفهم أن تسكت أمريكا على جرائم إسرائيل تجاه شعب فلسطين.. فهي لا تنكر تأييدها لها وتحميلها أطفال فلسطين مسئولية ذبحهم على أيدي مجرمي الحرب الإسرائيلية ونفهم أن تتأرجح مواقف أوروبا بفعل النفوذ الصهيوني والضغوط الأمريكية، ولكن كيف نفسر هذه البلادة التي أصابت العرب، وهذا الصمت الذي تعتصم به الحكومات العربية وهذا الهدوء الذي يخيم على الشارع العربي.. بينما العدوان الإسرائيلي يتحول إلى حرب شاملة ضد الشعب الفلسطيني تستهدف تركيعه وإخضاع العرب أجمعين؟! ما الذي حدث حتى أصبحت معظم العواصم العربية تتحدث عن إيقاف العنف بدلا من الحديث عن المجازر الإسرائيلية؟! وكيف تحول الأمر من مطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي إلى استجداء لاستئناف المفاوضات وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل إندلاع إنتفاضة الأقصى في سبتمبر الماضي.. وكأن الفلسطينيين كانوا قبل ذلك يعيشون في نعيم، وكأن هذا هو غاية المراد من رب العباد؟! لقد كانت إنتفاضة الأقصى ومازالت إحدى المعجزات العربية في زمن السقوط ومع ذلك فقد كان التعامل الرسمي العربي معها بائسا، وحين ضغط الشارع العربي المشتعل بالغضب كانت القمة العربية في القاهرة ثم في عمان، وكان الدعم المادي الذي تلكأ طويلا في الوصول إلى الفلسطينيين، وكان قرار تجميد العلاقات مع الكيان الصهيوني الذي مازال الجميع يتحايلون عليه. على الجانب الآخر كانت الأحداث تتحرك.. وسقط باراك وجاء شارون بكل تاريخه الدموي، ومع أن ذلك كان إيذانا بتصعيد العنف ضد الشعب الفلسطيني، فقد كان أيضا فرصة للعرب لكي يرصوا الصفوف ويواجهوا التحدي الذي تمثله حكومة يصرح أعضاؤها علنا بأن إسرائيل مستعدة لنسف السد العالي وقصف بيروت والقاهرة ودمشق وحتى طهران! كان مجيء شارون فرصة لكي يتقدم العرب بمشروعهم للسلام العادل الذي يحترم الحقوق ويطبق قرارات الشرعية الدولية، وأن يجبروا دول العالم أن تستمع إليهم وأن تقف معهم ومع الشرعية في مواجهة حكومة مجرمي الحرب التي يرأسها سفاح لا مجال للتشكيك في جرائمه ضد العرب وضد الإنسانية. لكن القرار للأسف الشديد كان في واشنطن والتي كانت بدورها تشهد عملية إنتقال السلطة إلى الرئيس الجمهوري الجديد بوش الإبن. و كان القرار أن امنحوا شارون الفرصة واعتصموا بالصبر وتمسكوا بالهدوء، وستجدون بعد ذلك أن شارون قد تغير وسيواصل العمل من أجل السلام.وامنحونا نحن أيضا في واشنطن فرصة دراسة الموقف في المنطقة،وبعدها ستجدون ما يسر العرب وما يعيد الحقوق ويوفر الاستقرار. وبالطبع فإن ما أرادته واشنطن كان، ليكتشف العرب بعد ذلك عمق الخديعة ومرارة الأمر الواقع الذي يراد فرضه عليهم. فقد كانت نتيجة الصبر العربي هو إتفاق كامل بين واشنطن وتل أبيب، وبين حكومة شارون وإدارة بوش على السياسة الجديدة في المنطقة والتي لا تعني إلا شيئا واحدا هو إعلان الحرب على العرب وبمقتضى هذا التوافق أطلقت واشنطن يد شارون في شن المذابح ضد الشعب الفلسطيني وبتأييد كامل منها.. تحت دعوى أن الفلسطينيين هم المسئولون عن (العنف) وأن عرفات يشجع الارهاب ضد الإسرائيليين وأن عليه أن يوقف الإنتفاضة، ثم يذهب إلى شارون الذي سيقبل في هذه الحالة وبكرم يشكر عليه أن تعود المفاوضات ليمنح الفلسطينيين فرصة التوقيع بالموافقة على ما تريده إسرائيل. وهذا ما كان.. حرب إبادة يشنها شارون بمباركة واشنطن لتركيع الفلسطينيين، وإستئناف لبناء المستوطنات، ودعوة لليهود لاستباحة المسجد الأقصى. والعرب يشاهدون ويسمعون ثم يعتصمون بالصمت غير الجميل، فإذا فتح الله عليهم بشيء فهو الدعوة إلى (وقف العنف). وهي الدعوة التي تساوي بين القاتل والقتيل، ولا تعني في النهاية إيقاف الإنتفاضة بلا ثمن! إنه الإنصياع الكامل للإدارة الأمريكية التي تريد للأنظمة العربية أن تدخل بيت الطاعة الأمريكي، أو تدفع ثمن التمرد ـ إذا جرؤت على ذلك من أمنها واستقرارها ومستقبلها! لقد مارست واشنطن ومازالت كل الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية ليظل شعبنا العربي في فلسطين وحيدا، ولكي يتم حصار الإنتفاضة و عزلها عن الشارع العربي وحرمانها من الدعم المادي والأدبي، ليتم القضاء عليها وفرض التصور الإسرائيلي الأمريكي لأوضاع فلسطين. إن حجم الضغوط الأمريكية يمكن قياسه بما حدث أثناء زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة. فقد رافق الزيارة وسبقها أكبر حملة ابتزاز و تشهير بالموقف المصري.. فمصر متهمة بأنها تعرقل السياسات الأمريكية في المنطقة، وتؤيد رفع الحصار عن العراق، وتشجع عرفات على رفض الإنصياع للإرادة الأمريكية الإسرائيلية. ومصر متهمة بأنها تتحول إلى عقبة في طريق تحقيق السلام (كما تتصوره واشنطن وتل أبيب بالطبع) وبأنها ترتكب خطأ جسيما بسحب السفير المصري في إسرائيل، وترتكب جريمة بشعة بالسماح للصحافة المصرية بشن حملات وصفها مساعد وزير الخارجية الأمريكي بأنها (بغيضة، وشريرة، وغير مقبولة، ومعادية للسامية، وتهدف إلى تحريض الشعب على العنف) ومصر تستحق ـ وفقا لهذه الحملات أن تعاقب بمنع المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، وأن تحاسب لأنها لا تكتفي بمعاداة إسرائيل، بل تقوم بإضطهاد مواطنيها من الأقباط التي نصبت واشنطن من نفسها حامية لهم رغما عن إرادتهم، ومع إعلانهم بكل الوسائل رفضهم لهذه المزاعم عن اضطهادهم، وتمسكهم بأن أي مشاكل تواجههم تحل في إطار الجماعة المصرية، كما كان الأمر دائما وكما سيكون رغم المؤامرات المشبوهة والتي لا تتوقف على الوحدة الوطنية التي هي قدس الأقداس عند شعب مصر بكل مسلميه وأقباطه. هذه الحملة الشعواء ضد السياسة المصرية، والتي وصلت إلى حد التهديد بقطع المعونة وإثارة الاضطرابات الطائفية، والتي جعلت مسئولين كباراً في أمريكا التي تدعي أنها راعية الحريات في العالم يطالبون بقصف أقلام الصحفيين المصريين حتى لا يفضحوا جرائم إسرائيل، تعطينا صورة للضغوط التي تمت وتتم على العواصم العربية كلها، والتي كان من نتيجتها أن أصبح الحديث الرسمي العربي الآن عن (وقف العنف) وتهدئة الموقف و(بلاش إحراج)! وأصبح الهدف هو استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، وكأنها يمكن أن تؤدي إلى حل إلا الاستسلام للشروط الإسرائيلية!! والأسوأ من ذلك هو الموقف في الشارع العربي، إنحسار موجة الغضب رغم تصاعد العدوان الإسرائيلي والإعلان الرسمي من شارون إنها الحرب، وإنها مازالت في البداية، ورغم تأكيد أمريكا على تأييدها لهذه السياسة وتحميل الفلسطينيين مسئولية ما يحدث. وقد ساهمت عوامل عديدة في إنطفاء شعلة الحماس في الشارع العربي. منها سياسة التهدئة الاعلامية التي تتبعها معظم أجهزة الاعلام الرسمية العربية، حيث اختفت مشاهد العنف الإسرائيلي من شاشات التلفزيون إلى حد كبير، ووضعت الأغاني والأناشيد الوطنية التي ظهرت مع الإنتفاضة في المخازن، وأصبح المعلقون الإسرائيليون ضيوفا دائمين على بيوتنا العربية من خلال شاشات التلفزيون العربية الرسمية.. يبررون جرائم جيش إسرائيل ويمارسون خداعهم الإعلامي الذي اتقنوه!! ومن عوامل إنحسار الحماس في الشارع العربي ضعف التنظيمات الشعبية التي تتبنى التحركات لدعم الإنتفاضة، واغراقها في تفاصيل الخلافات بين الفرقاء المحليين والعرب. ومن هذه العوامل الحرب المضادة التي شنها البعض دفاعا عن مصالح وكلاء الشركات الأمريكية خوفا من المقاطعة.وإشاعة الخوف من ردود فعل أمريكية غاضبة على هذا السلوك. لكن أهم هذه العوامل هو فشل القيادة الفلسطينية في إدارة الصراع، وفي تحديد أهدافها، وفي التلاحم مع حركة الشارع العربي الغاضبة. صحيح أن الظروف الفلسطينية صعبة للغاية، ولكن هذا لا ينبغي أن هناك تقصيرا في الإدارة السياسية للإنتفاضة، وفي التعامل مع مختلف أوجه الصراع. فحتى الآن لم تحسم القيادة الفلسطينية أمرها في شأن أوسلو، وحتى الآن مازالت تراهن على دور أمريكي والتفاوض مع حكومة إسرائيل حتى في ظل شارون، وحتى الآن مازالت تخشى من إعلان موقف حاسم يعيد القضية إلى أصولها ويعيد طرحها كما كانت قبل أوسلو.. قضية أرض محتلة لابد أن تتحرر، وشعب مقهور لابد أن يحصل على استقلاله. والنتيجة أنها بهذا الموقف المتردد لم ترضي أحدا. لم ترضى أمريكا التي أعلنت أن إيقاف العنف (أي إنهاء الإنتفاضة) شرط لبداية التفاوض مع إسرائيل، والتي أيدت شارون في أن أمن إسرائيل هو الهدف، وأن عرفات يستعيد ماضيه الإرهابي ولذلك فهو لن يدعى للتفاوض مع أمريكا في واشنطن إلا بعد أن يطلب علنا من مواطنيه التخلي عن العنف!!وهو لا يرضى أطرافا عديدة في القيادة الشعبية للإنتفاضة التي تريد تحويلها لحرب استقلال حقيقية برهن الشعب الفلسطيني على استعداده لتحمل تكلفتها، وبرهنت كل التجارب أنها وحدها الطريق الممكن للحرية وهزيمة إسرائيل. وهو لا يرضى أطرافا عديدة (ومنها أطراف عربية وحتى داخل السلطة الفلسطينية نفسها) ترى أن رفض مقترحات كلينتون كان خطأ، وأن ما تم عرضه في هذه المقترحات لن يتكرر، مع أن العرض كان يعني بوضوح ضياع القدس وحق العودة ونصف الضفة الغربية مقابل دولة لا تملك من أمرها شيئا! والأهم من ذلك أن هذا السلوك المتردد كان يصدم الشارع العربي الذي راهن على الإنتفاضة، فإذا بالقيادة الفلسطينية تعقد الاجتماعات الأمنية مع إسرائيل، والذي يرى المذابح التي يقيمها شارون ويفاجأ بعرفات يتصل به ليهنئة بعيد الفصح اليهودي الذي كان فرصة دعا فيها شارون اليهود لاستباحة المسجد الأقصى ودعا فيها الحاخام عوفاديا يوسف زعيم شاس إلى إبادة العرب بالصواريخ! والأمر يبدو الآن بالنسبة للشارع العربي وكأن الجميع يراهنون على استئناف المفاوضات، وهو يؤمن أنها طريق لن تؤدي إلى شيء، وفي نفس الوقت أدرك الشارع العربي غاية ما تستطيع الأنظمة العربية تقديمه، وغاية ما يستطيع تقديمه النظام العالمي في ظل سطوة أمريكا وإنحيازها المعلن لإسرائيل. وقد يبدو الآن أن ما بشر به شارون من ثقته في أن يصل الفلسطينيون بالقمع إلى حافة اليأس يمتد إلى خارج فلسطين ليشمل الأرض العربية، ولكنها رؤية خادعة، فالغضب يزداد في الصدور، واليقين يزداد بأن الخطر يستهدف الأمة كلها، وبأن الإنتفاضة لابد أن تستمر والمقاومة لابد أن تقوى والنازيون في إسرائيل لابد أن يدفعوا ثمن جرائمهم، والمتواطئون معهم لابد أن تتأثر مصالحهم والعاجزون عن المواجهة لابد أن يدفعوا ثمن عجزهم. وتحت الهدوء في الشارع العربي، هناك بركان يغلي وينتظر لحظة الإنفجار. ـ نائب رئيس تحرير أخبار اليوم