يقال ان جيل اليوم يختلف عن جيل الأمس، نحن جيل تربى على الرضا والقناعة والسمع والطاعة لأسباب كثيرة، التربية وطبيعة المجتمع، أما جيل اليوم فجيل مختلف تماما انه جيل يمكن ان يحطم كل شيء، إذا لم يحصل على ما يريد، جيل لا تقنعه المسلمات ولا يرضى بأي شيء، لأنه يرى ويسمع ويقارن ويسأل بصوت عال جداً.. هذا الكلام لا يبتعد أبداً عن الحقيقة، لكنه لا يعني أي نوع من الهجوم أو المواقف المضادة لأجيال اليوم. ان صفة الجيل المختلف والرافض ظاهرة عالمية، وليست اختراعاً نظرياً، إنها حقيقة عبر عنها المؤلفان «جي ووكر سميث» المتخصص في دراسة سلوك المستهلكين و «آن كلارمان» المختصة في التسويق ودراسات اتجاهات المستقبل، وذلك في كتابهما «التأرجح بين العصور» والذي يناقش فكرة التسويق الموجه للأجيال المتعاقبة. لن نغرق في موضوع التسويق والأعمال فهذا مجال له أناسه المختصون فيه، ولكن يهمنا من الكتاب ما يتعلق بطريقة تفكير الأجيال. فالجيل ليس مجرد حواجز زمنية تفرق بين الأعمار، والاعتقاد بأن أخلاقيات وقيم الأبناء يجب ان تماثل ما كان لدى آبائهم اعتقاد خاطئ شكلاً ومضموناً، وذلك كما يقول مؤلفا الكتاب: لأن التماثل يعني توقف التاريخ وركوده، وهذا تفكير غير منطقي، أما لماذا هو غير منطقي؟ فلأن الأجيال المتعاقبة يحمل كل منها صفاته وقيمه وله أيضاً طموحاته الذاتية وعاداته الاستهلاكية، وهذا ما يمكن ملاحظته بسهولة تامة عند إلقاء نظرة على أجيال مختلفة تتعايش معاً في نفس الزمان والمكان. هذه المعرفة بسمات كل جيل هي وحدها الكفيلة بتصحيح مسارات كثيرة في الإعلام والتربية والتعليم والتسويق والسياسة أيضا حيث ان ما كان يقنع جيل الاجداد لم تكن له المصداقية ذاتها لدى جيل الآباء، ولم يعد له أي أهمية لدى جيل الأبناء، ولذلك فإن الجيل الذي كان يحترم القواعد بلا نقاش خلفه جيل عمل على كسر تلك القواعد ثم ظهر الجيل الذي غيّرها تماما! لم يعد جيل اليوم يفكر بمنطق الواجب والتضحية،أصبح هذا الجيل واقعاً تحت عقيدة الذات أولا والأصدقاء ثانيا، وان الحياة من البساطة بحيث لا يجب تعقيدها، فالوجبات السريعة حلت اشكاليات الالتزام العائلي بمواعيد الوجبات الأسرية. جيل الأبناء الذي يتعامل مع الفضاء الالكتروني ببساطة احتساء زجاجة بيبسي كولا ويصنع وجبته في ثوان بواسطة المايكروويف ويستقبل رسائله الكترونيا، ويهوى أغاني مادونا ويركب سيارة لا تتسع لأكثر من شخصين، و... إلخ، لا تقنعه مناهج التعليم الحالية التي درسها جيل الأجداد والآباء، كما لا تقنعه برامج المحطات الفضائية ولايؤمن بشعارات السياسيين العرب ولا بتحركاتهم، ولاتخاطبه كثير من القوانين التي يخضع لها في الجامعة والمدرسة والمؤسسة، ببساطة لأنها لا تعرف كيف يفكر وكيف تختلف توجهاته عن توجهات آبائه. ان الجد الذي كان يقنعه كل شيء فإذا غلب على أمره ردد لا حول ولا قوة إلا بالله، انتج جيلا آخر يريد ان يحصل على حقه كاملا غير منقوص، تماما كما يرى الكثيرين يحصلون على هذه الحقوق ويظل صارخاً محتجاً حتى يحصل على هذا الحق مرددا: الآخر ليس أفضل مني، هذا المنطق لابد ان يستقر في أذهان الكثيرين الذين يلغون تماماً منطق العدالة والحق في التعامل مع الجميع ظانين بأن الذي لا يحصل على حقه سوف يرضى ويسكت فقط لأن جده كان يفعل الشيء ذاته!! كتاب «التأرجح بين العصور» يشرح نظرية اختلاف السلوك والقناعات بين الأجيال، لكنه لا يشرح مدى صحة ومنطقية هذه الاختلافات، فقد يكون من حق جيل اليوم ان يرفض شعارات السياسيين، ولا يقتنع بنوعية الإعلام الموجه أو مناهج التعليم العقيمة ربما، لكن هل من حقه أو من الصحيح ان يرفض قيم العائلة ومنظومة الأخلاق والقيم التي تربى عليها آباؤه وأجداده، نحن نقول لا في مجتمع كمجتمعنا.. فهل هناك اجابات أخرى؟