تقول معطيات هذا الزمن المتواصل باكتشافاته العلمية، وبثورته الهائلة على ما هو سائد ومألوف بأننا نعيش زمناً الكترونياً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى يبدأ من إشراقات الصباح الأولى، ويمتد فلا ينتهي، يبدأ من صرخة الوليد عندما تستقبله نفحات وروائح المستشفى ولا ينتهي أيضا، ويبدأ كذلك من دهشة عجوز تواصلت مع زمن اللمسة السحرية ولا ينتهي.. إنه زمن متواصل بالكترونات، وإشارات، ورموز، وشفرات، ولغة حاسوبية ثائرة، زمن لا يعرف إلا دوراناً ساحراً للغته المترامية والممتدة في جسد الكرة الأرضية بخطوط الطول والعرض وبنقاط التماس الحائرة كثيراً، بهذا التواصل الحميم إنه زمن الانترنت الذي لم يأت هكذا عبثاً. منذ أن بدأ الانترنت في حركته المتواصلة والمتداخلة، ومنذ أن أُجيزت استخداماته في الحياة المدنية انكشفت مساحات الكرة الأرضية أمام هذا الانجاز المثير، فلم تعد ورقة التوت تستر عورة أحد، فقد أصبحت الدنيا المترامية من أول اليابسة ومن آخر المحيطات تتكشف في سباق غير معهود أو مسبوق أمام كل ما هو كائن. والسؤال الذي بدأ يطرحه العلماء والمثقفون والكتّاب والأدباء والسياسيون أيضا بعد ان خرج هذا المارد عن سيطرة سيده.. أين الخصوصية والسرية التي كانت مسيطرة على العالم، وكيف نحكم أسرارنا العلمية والعسكرية والسياسية والاجتماعية وهل نقول لتلك الصناديق السوداء وداعاً؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير بدأت تطرح على الواقع المعاش بعد ان فقدت الخصوصية عذريتها وبعد ان أصبح رئيس أكبر دولة في العالم يقف أمام مرأى الناس جميعاً كالطالب الخائب يجيب عن أسئلة تدخل فيما يسمى الخصوصية والسرية. لقد أصبحت لغة المعلومات هي المسيطرة على زوايا هذا الزمن المتواصل، ولهذا بدأت الأسرار التي كانت سرية للغاية تأخذ طابعاً آخر في ظل العولمة والشفافية التي سيطرت على الفكر العالمي، ومن هنا أصبحت شبكة الانترنت وسيلة فاعلة للدخول إلى المعلومات التي كانت في يوم ما تدخل تحت ما يسمى بالأسرار، وحتى أدلل على ما أقول أشير إلى الفضيحة التي ارتسمت العام الماضي في ألمانيا بعد ان نشر فريق مجهول على شبكة الانترنت أسماء أكثر من 100 ألف عميل لجهاز أمن الدولة السابق في ألمانيا الشرقية والذي يسمى «شتازي» مع بياناتهم الشخصية وأسمائهم الحركية وبتسلسل يعتمد تاريخ الميلاد. وهذا النشر الفاضح على الشبكة يعني أن هؤلاء أصبحوا مكشوفين في جهات عملهم الأصلية والأخرى التي يعملون فيها حاليا. وهكذا تتواصل مطاردة عملاء شتازي في الشطر الشرقي رغم مرور أكثر من 10 سنوات على الوحدة الألمانية، ومن يعتقد كما تشير مجلة «دير شبيجل» الألمانية ان الألمان فقدوا اهتمامهم بشتازي سيتوصل إلى العكس حينما يلاحظ ما يحدث على شبكة الانترنت، ففي شهر واحد فقط اطلع على الملفات أكثر من 15 مليون زائر، وهي ملفات لا يصل إليها إلا المؤرخون والصحفيون، ووفق طلبات خاصة إلى دائرة خاصة مكلفة بجمعها والحفاظ عليها، ومن يريد الخلاص من مدير مزعج يستطيع البحث في الملفات عساه يقع على الاسم أو الميلاد اللازم. وحتى الآن من غير الواضح بعد الجهة التي تقف وراء مطاردة جواسيس شتازي السابقين وعملائهم، واتضح من خلال البحث ان قائد العملية المفترض الذي منح الملفات اسماً مضحكاً وهو التبرع بالكلى هو المدعو مانفريد فيلي ليرش الذي يقدم نفسه كصحفي انترنت ولا يمكن الوصول إليه إلا على الهاتف النقال أو البريد الالكتروني. عموماً وبعيداً عن سرية المعلومات وفضحها أصبح الانترنت عالماً قائما بذاته له مشاكله وخصوصيته وأسراره، وأصبحت الدول أمام هذا المارد الجديد تقف خطوة للأمام وخطوتين للخلف، فمنهم من يتعامل مع افرازاته بحذر ومنهم من ترك العنان أمام سن قوانين للحد من آثاره، ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا أدى التوسع الكبير في استخدام شبكة الانترنت إلى تزويد المحامين بأسلحة جديدة غير تقليدية يشهرونها بقاعات المحاكم في القضايا المتعلقة بحقوق حضانة الأبناء وقضايا الطلاق المتنوعة، حيث شاع أخيراً وبشكل متزايد استخدام مستنسخات البريد الالكتروني كأدلة لاقناع القضاة بثبوت وقائع الخيانة الزوجية أو بعدم أهلية أحد الزوجين لرعاية الأبناء. ويحمل هذا الاتجاه بين ثناياه المزيد من الأدلة التي تشير إلى تفاقم حالة التطلع إلى مد جسور علاقات عاطفية عبر الانترنت التي تفشت بين الأمريكيين في السنوات الأخيرة خلافاً للبحث عن علاقات عبر أبواب الصحف والمجلات التي تحمل عناوين مثل القلوب الوحيدة فإن رومانسيات الانترنت قد رسمت بألوان زاهية ومجدت كثيراً من خلال بعض أفلام هوليوود مثل فيلم «لديك بريد الكتروني» كما ان شركات الانترنت الأمريكية تشجع على إقامة مثل هذه العلاقات عن طريق ما يعرف بغرف المحادثة لأولئك الذين يبحثون عن علاقات رومانسية عبر الشبكة الدولية، ولكن الكثير من أولئك الذين أطلقوا العنان لعواطفهم وهم أمام شاشات أجهزتهم ندموا كثيرا بعد ذلك، فقد أصبح التفتيش في محتويات البريد الالكتروني هو البديل العصري للتفتيش بين سلال القمامة أو الثياب عن أدلة لإدانة الزوج أو الزوجة بالخيانة. وتأخذ أدلة الانترنت التي تقدم امام المحاكم أشكالاً عديدة تتراوح بين الصور الضوئية المطبوعة والنسخ المطبوعة عن الأحاديث العاطفية التي يتبادلها بعض الأشخاص عبر الانترنت، ولم يتبق لنا أخيراً إلا ان نطلق صرخاتنا التي تدعو إلى احترام الخصوصية فنقول في زمن الانترنت والبريد الالكتروني.. أيها الأزواج نظفوا محتويات بريدكم الالكتروني حتى لا تجدوا ما لا يسركم!