يشكل الشباب فئة متميزة في أي مجتمع بشري، لأسباب ذاتية موضوعية، تتلخص في تواجدهم في طبقات المجتمع وفئاته كلها، فهم الشريان الحيوي الذي يتدفق فعالية في الابداع والتفوق ليفجر الطاقات، في مختلف نواحي الحياة، لتشييد ركائز الحاضر وضمان أمن المستقبل، والشباب هم عماد المجتمع ومركز طاقته الفعالة والمنتجة، فليس هناك تحول حضاري يقود إلى النجاح دون الاعتماد على الشباب، قدرات وطاقات وابداعات، فعلى امتداد التاريخ كان الشباب مركز الابداع وينبوع النبوغ ومصدر ثروة المستقبل وحاملي مشعل الأمان للأجيال القادمة، وهم بحكم المفهوم والخصائص اصطلاح مرادف للأمل والتقدم والتفاؤل والثقة بالمستقبل. والشباب يشكل أكثر حلقات العمر زهاء وتعقيدا في آن واحد، وعلى مرحلة الشباب يتوقف تماسك بقية حلقات العمر وتلاحمها، لذا فإن أي اختلال أو هدر في أي من المرحلتين الأولى: الطفولة والحداثة، والثانية: الشباب، يؤثر على عطاء الشباب في المرحلة الثالثة، مرحلة العطاء، وهي المرحلة المهمة إيجابا وسلبا. والشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، وهم أكثر فئات المجتمع حركة ونشاطا، ويعدون مصدراً من مصادر التغيير الاجتماعي، وحالة نفسية اجتماعية انفعالية تتقبل التغيير، وسرعة التوافق مع المتغيرات والتكيف معها بكل جرأة، كما تتصف هذه الفئة بالانتاج والعطاء والابداع في المجالات كافة، والشباب مؤهلون قوة وعملا وعلماً وثقافة وسلوكاً للنهوض بمسئوليات بناء المجتمع، لأن خصائصهم المتميزة تختصر الزمن وتدفع عملية التنمية إلى الأمام، وهذا يستدعي الأخذ بالاعتبار الملاحظات التالية: 1ـ بالرغم من أهمية سائر عناصر القوى البشرية، إلا ان للشباب أهمية خاصة، باعتبار انهم يمثلون أكثر من 50% من تعداد السكان الكلي، ويشكلون الركيزة الأساسية في دفع عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعد المرتكز الأساسي في العملية التنموية. 2ـ الانطلاق من حقيقة ان الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل، فهم أهم مصادر الطاقة الوطنية المتجددة التي لا تنضب، وصلب رأس مالها البشري، فمن يملك الشباب يملك ناصية المستقبل. 3ـ الشباب هم الوسيلة والهدف وأصحاب المصلحة الحقيقية في عملية التنمية وصياغة الحاضر والمستقبل. 4ـ استكمال عناصر ومقومات حركة التطور الذاتي للشباب ودفعهم إلى التجاوب مع قضايا مجتمعهم ومشكلاته. 5ـ لم يعد من الممكن أو من المسموح به تجاهل الشباب كفئة اجتماعية عريضة، وتناول مشكلاتهم تناولاً سطحياً، وإهمال قضاياهم أو التباطؤ في ايجاد الحلول الحاسمة لهم، لأنهم طاقة هائلة لا يجوز تبديدها، كما انهم يشكلون في الوقت نفسه مصدر خطر جسيم في حالة إهمالهم أو تجاهلهم، وليس من المتصور في مجتمعاتنا الراهنة وجود مجتمع لا يواجه مشاكل شبابية بصورها ومظاهرها المختلفة. 6ـ أصبح الاهتمام بمشاكل الشباب التزاماً دولياً، بلوره وأكده مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية (كوبنهاجن 1995) فالإعلان الصادر عن هذا المؤتمر يمثل نقطة تحول مهمة في الوعي العالمي بالمسائل الاجتماعية، ويشير صراحة إلى مشاكل الشباب مؤكدا ضرورة إيلاء اهتمام خاص للمشاكل الهيكلية وطويلة الأجل للشباب، ولهذا فمن الأولى ان يصبح الاهتمام بالشباب التزاما وطنياً تتقيد به الحكومات في نطاق سياساتها وبرامجها. 7ـ يواجه الشباب العربي تحديات ضخمة تفرض اختزال مراحل طويلة من الزمن، وأهم هذه التحديات: الصراع بين الأجيال، التكيف مع النظام التعليمي، البطالة، ارتفاع تكاليف المعيشة، تكوين أسرة سعيدة، التكيف مع وسائل الإعلام، حرية التعبير، ظاهرة المخدرات. هذه التحديات تتطلب جهة تملك من المقومات والكفاءات ما يؤهلها لايجاد الحلول المناسبة لهذه التحديات. 8ـ إن التعامل مع الشباب هو مسئولية المجتمع كله، ويتطلب النظر إلى الشباب نظرة شاملة ومتوازنة تشمل الجوانب الحياتية والمعيشية لهم كلهم، لتكاملها وترابطها وتفاعلها، ولاسيما من منظور التقييم المستمر والجاد لاحتياجات الشباب ومشاكلهم. المهمات يترتب على المجتمعات جملة من المهمات الجسام التي عليها انجازها بالسرعة المناسبة وفق خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، وتنطلق هذه الخطط من الفلسفة الاجتماعية التي تحكم المجتمع من هذه المهمات ما يلي: 1ـ تصحيح بعض المفاهيم المتعلقة بمشاكل الشباب وتفاقمها أحياناً، فالمنطق يقتضي ان يُنظر إلى الشباب باعتبارهم معنيين بالدرجة الأولى، بل ومساهمين في حل هذه المشكلة، أي انهم ليسوا المسببين لها. وهذا يقتضى بطبيعة الحال ضرورة ادراج مشاكل الشباب وهمومهم في صدر اولويات خطط التنمية الوطنية. 2ـ توسيع الرؤية لدور الشباب ومهامهم في حل المشاكل والاطروحات الوطنية. فالشباب ليس مجرد يد عاملة في سوق العمل، وانما ينبغي التوقف طويلا عند دور الشباب في الحياة العامة. ومن ثم وجوب تدريبهم على الاضطلاع وممارسة المسئولية التنظيمية والقيادية في المؤسسات التي يدرسون او يتدربون او يعملون فيها، او يقضون اوقات فراغهم. 3ـ ان عجز المجتمع عن توفير فرص عمل للمواطنين يترتب عليه مواقف سلبية في الانتماء للوطن، ومن ثم السخط على المجتمع، ناهيك عن حالات الانحراف والتفكك، لذلك يتوجب زيادة الاهتمام والوعي بمشاكل تشغيل الشباب، ولاسيما من واقع الاعتراف المتزايد بحجم مشاكل بطالة الشباب وأبعادها التي تتطلب أنماطا متميزة من التدابير العلاجية فضلا عن ان الشباب ليسوا جميعهم فئة ذات مستوى واحد من التعليم والمهارات، وبالتالي فان عدم التفريق بين تشغيل الشباب والتشغيل بوجه عام، قد يؤدي الى محظور مهم يتلخص في اغفال الخصائص والضرورات التي تميز مختلف مجموعات الشباب الفرعية، مما قد يسفر عن صياغة برامج تفشل في الوصول الى اكثر الشباب تضررا. 4ـ الاشراف على تكامل سياسة تشغيل الشباب وبرامجها بشكل اكثر فعالية، مع سياسات التعليم، وبما يسهم في الحيلولة دون انتهاج سياسات تربوية/ تعليمية واخرى استخدامية/ تشغيلية، تتناقض عمليا فيما بينها او تتناقض مع بعضها البعض. 5ـ التنسيق بين الجهات ذات العلاقة بأمور الشباب مثل: (الاسرة، التعليم، الاعلام، المؤسسات والمراكز البحثية، مراكز الشباب وغيرها). 6ـ الحرص على ادماج الشباب في مجتمعهم، وذلك بتجنب السياسات والممارسات السلبية التي تؤدي الى تغريبهم في اوطانهم وتفرض عليهم نوعا من الوصاية، وكذلك ادماج الشباب غير المدربين في عملية الانتاج، وعدم تركهم للتهميش والاستبعاد الاجتماعي والغربة اخطر امراض العصر. 7ـ المشاركة الكاملة لسائر فئات الشباب في حياة المجتمع. 8ـ وضع استراتيجية رسمية واضحة ومعلومة تقوم على تشجيع روح المبادرات الخاصة للشباب وتنميتها. واذا كنا نؤمن بحق ان الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل، فان هذا يلقي مسئولية ضخمة على الجيل الحالي، تتمثل في السعي لتهيئة حياة كريمة للاجيال القادمة من خلال العمل على توفير متطلبات الحياة للشباب وفي مقدمتها تأمين حق التعليم المرتبط بالحياة، وتوفير فرص العمل المناسب والدخل الملائم، والمساعدة في تكوين اسرة سعيدة، واطلاق حرية التعبير كي يجد الشباب مجالا للمساهمة والمشاركة في بناء المجتمع. ان مستقبل الاجيال القادمة يصنع في جيلنا الراهن، وعلينا العمل معا، كل في موقعه، من اجل اعداد شبابنا للحاضر والمستقبل، وعيا وتدريبا وتوجيها وتنمية وسلوكا وتشغيلا وما لم نبادر بالعمل الجاد والملموس لتطوير وسائل اعداد شبابنا وتحديثها، وفق منظور علمي يقيم الوزن لمعطيات الواقع المعاصر وحقائقه، فان التطورات المتلاحقة ستداهمنا، وسنغدو غير قادرين في المستقبل على التعامل مع الاوضاع الجديدة، في عالم اصبح فيه العنصر البشري المدرب والقادر على تلبية احتياجات العمل ومقتضيات التنمية الشاملة هو رصيد الامم المتحضرة وهو في الوقت نفسه سمة تقدمها ورقيها. ـ باحث واستاذ جامعي في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق