تتميز طريقة تعامل الإدارة الأمريكية الراهنة مع أول أزمة دولية بالهدوء والتروي، ولكن وراء هذا التروي الكثير من التعجب والمفاجأة من التصرف الصيني حتى الآن. هذا التروي المرتبط بالتعجب والمفاجأة، أخذ بعين الاعتبار حجم المصالح بين الصين والولايات المتحدة والتي تصل تجارياً إلى مئة مليار دولار سنوياً، وأخذ بعين الاعتبار أيضاً موقع وأهمية الصين الدولية، إضافة الى وجود اثنين وأربعين ألف طالب صيني في الولايات المتحدة. ومع ذلك يمكن القول ان المواجهة الراهنة فتحت أعين الأمريكيين على تحديات التعامل مع الصين. ويبدو أن العلاقات الصينية الأمريكية في المرحلة المقبلة لن تكون خالية من التوترات وأحياناً المواجهات السياسية. وبالرغم من أن الصين لم تصل لمصاف دولة كبرى بالمعنى الذي تمثله الولايات المتحدة، إلا أنها دولة تزداد تأثيراً وقوة يوماً بعد يوم. فهي اليوم دولة إقليمية كبرى تزداد تأثيراً وسيطرة في آسيا وذلك في ظل انهاض اقتصادها وتطوير امكانياتها ودورها. ويعتبر اقتصاد الصين الأسرع نمواً في آسيا (8% سنوياً)، وتمتلك الصين ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان، كما لديها جيش مكون من 2.5 مليون جندي.. ويحد الصين وهي بلد الأكثر من مليار مواطن (1.3 مليار) كل من منغوليا وروسيا في الشمال، وفيتنام واللاوس وكمبوديا ومينمار وبوتان ونيبال والهند في الجنوب، إضافة لباكستان وأفغانستان في الغرب، وطاجيكستان وقيرغستان وكازخستان بالشمال الغربي، وكوريا الشمالية التي يفصلها عن الصين شاطيء محدود على المحيط الباسفيكي. وبالوقت نفسه تواجه الصين مجموعة من المشكلات في علاقاتها الأمريكية، فهي غاضبة من منظومة الصواريخ التي تسعى الولايات المتحدة لبنائها وتعتبر انها المستهدفة أولاً وأخيراً، وهي غاضبة من السياسة الأمريكية تجاه تايوان (الصين الوطنية) التي تعتبرها الصين جزءاً منها، كما ما زالت تعتبر الصين ان ضرب سفارتها في صربيا ابان حرب كوسوفو كان مقصوداً. ويجب الانتباه لأن في الصين صراع قوة ونفوذ بين الجيش كمؤسسة عسكرية وبين الحزب والقيادة السياسية، وان محاولات الولايات المتحدة الحد من النفوذ الصيني، اضافة للخلاف الصيني الأمريكي حول تايوان يلعب دوره في الصراع الراهن. والمسألة التايوانية من أساسيات المشهد الذي يتطور أمامنا حول الطائرة الأمريكية. فالتجسس الأمريكي على الصين مرتبط الى حد كبير بمحاولة حماية تايوان وطبيعة الأسلحة التي يجب أن تباع لتايوان من أجل تأمين حمايتها. كما أن مشروع الولايات المتحدة للدفاع الصاروخي اعتبرته الصين يهددها في قضية تايوان أساساً. إن مستقبل المواجهات والتحديات والتوترات الأمريكية الصينية سوف تتمحور حول تايوان، خاصة وأن الادارة الأمريكية على وشك أخذ قرار في نهاية هذا الشهر لبيع أسلحة متطورة لتايوان. وتنطلق الاستراتيجية الصينية تجاه تايوان من سياسة الضغط عليها لجعلها بلا إرادة سياسية. وهي استراتيجية تسعى لإخافة الولايات المتحدة من آفاق مساعدة الصين الوطنية (تايوان) وذلك لطبيعة الخسائر التي ستدفعها الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً لو تدخلت لتمنع الوحدة بين البلدين. الأساس في التصور الصيني هو ضرب الإرادة التايوانية من خلال التهديد بعمل عسكري أو القيام بعمل عسكري (محدود أو متوسط) ثم الدعوة لمفاوضات تنتهي بقبول تايوان بالشروط الصينية. وأكثر ما تخشى منه الصين أن تدخل حرباً شاملة مع تايوان وتنتهي بخسارة تلك الحرب، وهذا قد يعني سقوط النظام في الصين. إن الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين تثير الكثير من الأسئلة، وتؤكد أن النظام الدولي في حالة تبدل وتغير. ولكن للصراع الراهن سقفه، فالصين تواقة بالوقت نفسه للانضمام الى منظمة التجارة الدولية، ولاستضافة الأولمبياد عام 2008، وهي تسعى لمزيد من الاستثمارات العالمية لإنهاض اقتصادها وتسعى أيضاً لمزيد من الأسواق العالمية لبضائعها. بمعنى آخر لدى الصين الحاجة للاستقرار والتهدئة، لهذا فهي تخوض هذه المواجهة في ظل حسابات تحسن موقعها الآسيوي وتقربها من هدفها تجاه تايوان، وتحد من امكانية احتوائها أمريكياً، دون أن تدفع ثمناً كبيراً لهذا التغير. وفي هذا تجد الصين أن عليها أن تأخذ خطاً متوازناً بين الدخول في صراع يستنزفها وبين رسم حدود لهذا الصراع. ومن جهة أخرى سوف تسعى الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة لممارسة حالة من حالات الاحتواء للصين، فبين الانفتاح على الصين وبين تقوية اليابان وتقوية الدول الآسيوية الأخرى لبناء توازن وتأخير قوة الصين في آسيا، نجد مجالاً مفتوحاً للصراع والخلاف. ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت