الحرب التقليدية المباشرة ليست قطعا الخيار الصواب الذي يجب ان تأخذ به الدول العربية في المواجهة مع اسرائيل حتى لو توفرت للعرب الارادة اللازمة .. فهل معنى ذلك انه ليس متاحا امام العرب أي خيار عملي آخر يمكن ان يؤدي لحسم الصراع نهائيا لصالحهم؟ من الواضح بالطبع ان بديل الحرب التقليدية هو الحرب الشعبية، واذن يكون دور الحكومات العربية في هذا الصدد هو تقديم الدعم المفتوح بكل اشكاله، بما في ذلك امدادات السلاح لحركة المقاومة الفلسطينية المسلحة التي تتفاعل حاليا بغرض تطويرها نوعيا وتوسيع رقعتها. لكن حتى لو لم تشأ الدول العربية الأخذ بخيار اي مواجهة عسكرية، حتى بشكلها الشعبي غير المباشر، فان هناك خيارا بديلا آخر ذا طابع سلمي .. وهو خيار الحرب الاقتصادية التجارية ذات الطابع الاستراتيجي العالمي. والحديث في هذا السياق ليس بصدد تفعيل نظام المقاطعة العربية ضد اسرائيل على نطاق العالم، وان كان نظام المقاطعة ذا صلة. نحن نتحدث عن صراع المصالح العالمي بالمعنى الاوسع .. وعن استهداف الولايات المتحدة كقوة اقتصادية وتجارية عظمى كوسيلة لاستهداف الدولة الاسرائيلية. وهو حديث ينطلق من فرضية ان القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب اجمعين. وان كانت تفاعلات الانتفاضة الفلسطينية بتداعياتها السياسية قد أدت لاثبات شيء واحد فهي ايضا اكدت بما لم يعد موضع تأويل على ان اسرائيل ليس واردا لديها على الاطلاق التخلي عن الاراضي العربية المحتلة او على اقل تقدير عن الضفة الغربية لنهر الاردن. فالقادة الاسرائيليون يتحدثون الآن عن «ممتلكات» اسرائيل « المثبتة تاريخيا» وغدا عندما تشتد وطأة التصعيد الفلسطيني على أمن اسرائيل فان القادة الاسرائيليين سوف يضطرون الى الاقرار بأن شعار التوسع الاسرائيلي «من الفرات الى النيل» المعلق على مدخل البرلمان هو اجندة «وطنية» مقررة سلفا وليس مجرد محسنات بلاغية جوفاء. وعندما يرد في بيانات القمم العربية ان قضية فلسطين هي «القضية المركزية للأمة العربية» فان المغزى يجب ان ينطلق من حقيقة ان العرب اجمعين، وليس الشعب الفلسطيني وحده، مهددون بالاستعمار الاسرائيلي المستقبلي، بشكل أو آخر. لكن المشكلة ان وراء اسرائيل حشدا دوليا قويا وواسع النطاق، غير ان هذا الحشد الدولي الثابت يرتكز اساسا على انتشار النفوذ العالمي للدولة العظمى التي ترتبط مع الدولة اليهودية بشراكة استراتيجية متينة. الآن نأتي الى الحقيقة الكبرى: بدون السند الاستراتيجي الثابت للولايات المتحدة وما يتبعه من نفوذ عالمي لن يكون بوسع اسرائيل البقاء على قيد الحياة كدولة. والسؤال المنطقي الذي يجب ان يطرح هو: هل من المتاح للدول العربية مجتمعة ان تدخل في منازلة دولية في مواجهة الولايات المتحدة من اجل زلزلة وجود الدولة الاسرائيلية؟ الاجابة هي: نعم ... هذا متاح، فالعلاقات الدولية السائدة في عالم اليوم كما نراه وحركتها التي لا تتوقف من تحالفات ومواجهات وتوافقات وتناقضات وصداقات وعداءات، خاضعة تماما لمبدأ المصالح. المصالح الحيوية توظف من اجل الغايات السياسية، وللدول العربية مجتمعة شبكة جاهزة من تبادلات المصالح تمتد برقعة العالم كله، هذه الشبكة قابلة للاستثمار السياسي المجزي بهدف تهديد المصالح العالمية الامريكية بالوسائل الاقتصادية والتجارية السلمية، دون ان تطلق الدول العربية طلقة واحدة بالمعنى العسكري.