عندما رأيته عن بعد وهو يتحدث عبر شاشات التلفزيون تصورت أنه حكيم اغريقي أو فيلسوف صيني.. ولكن.. عندما رأيته عن قرب.. على بعد ربع متر وجدته أقرب ما يكون الى لاعب «بيسبول».. الرياضة الأمريكية الخالصة، التي لم يقتنع بها أحد سوى اليابانيين.. عن الرئيس الأمريكي الجديد «جورج بوش» الثاني أكتب.. وأتحدث. كان يواجه منافسة على الرئاسة الأمريكية (آل جور) ويتحداه في المناظرة التلفزيونية المعتادة التي تسبق عملية التصويت.. وشعرت أنني أمام خبير في شئون الدنيا ويملك نواصيها.. ولفت نظري انه بدا معترضا على بقاء حزب (آل جور) في السلطة طويلا.. وقال: (إن حركة التاريخ ترفض مبدأ الايجارات الطويلة.. فلا أحد يستطيع أن يكون كل الأزمنة.. ولا أحد يستأجر بيتا لحسابه في كل العصور).. (إن السلطة السياسية في الولايات المتحدة هي سلطة زمنية.. لا سلطة إلهية.. أي انها سلطة قابلة للجدل والنقد والتداول.. وتجريدها من عظمها ولحمها وشروطها الانسانية واعطاؤها امتيازات القدسيين وكرامتهم.. هو نوع من الوثنية السياسية الجديدة).. وأضاف: (إن ما اعترض عليه هو (توثين) البشر.. واعطاؤهم أوصافا تتجاوز بشريتهم وتدخلهم في نطاق الأسطورة والخرافة.. وهو ما يعني أن الزمن الذي نعيشه يتجمد في نقطة واحدة ليس قبلها أو بعدها شيء). أعترف انني كنت متحمسا له مسبقا.. وبصورة عاطفية.. فهو على الاقل لم ينزل سباق الرئاسة راكبا جواد (اليهود) الرابح كما فعل منافسه الذي اختار يهوديا نائبا له.. وإن كان قد اهتدى بالرئيس السابق (بيل كلينتون) الذي كان معظم مساعديه من اليهود.. وهو ما جعل المسيحيين أقلية في الادارة الأمريكية وفي دوائر صنع القرار.. وفيما بعد.. بعد أن أصبح (جورج بوش) الثاني رئيسا بدأ اليهود في تجفيف مصادر الرخاء التي عمت الولايات المتحدة خلال سنوات حكم سلفه.. وهو ما أجمع عليه كل سائقي (التاكسي) في (واشنطن) الذين ركبت معهم.. وهم مؤشر لا يمكن الاستهانة به لقياس نبض الرأي العام في أي مكان. عن قرب لكن (بوش) الصغير الذي بدا عن بعد خبيرا بالحياة بدا لي عن قرب مثل لاعبي (البيسبول).. كنا في المكتب (البيضاوي) في (البيت الأبيض) نتابع لقاءه الأخير بالرئيس (حسني مبارك).. وقد أتاحت لي الصدفة أن أكون على بعد ربع متر منه.. فرحت اتأمله بصبر لا يخلو من العناية.. ووجدته أكثر طولا مما يبدو.. ورغم أن عمره لا يزيد على 55 سنة فإن شعره قد تسلل اليه الشيب.. وبدا رأسه في لون الفضة الخالية من البريق.. وكان اذا ما تحدث يهب من مكانه على طريقة لاعبي (البيسبول).. وهي اللعبة التي لا يستطيع الاستغناء عنها.. ولا يزال شريكا في نادي (تكساس رنجر) للبيسبول الذي اشتراه هو وبعض أصدقائه.. ثم أنه يميل الى النكتة والسخرية وخفة الظل.. وهو ما يفضل أن يكون عليه معظم السياسيين في الولايات المتحدة.. فالطريق الى عقول وقلوب الناس يبدأ هناك بدعابة.. وهو لا يكترث بالتفاصيل الصغيرة.. وينظر الى الأمور وكأنه يركب طائرة (هيلكوبتر). وليس من الصعب تفسير تغير صورته في عيني من صورة الحكيم والفيلسوف والخبير بشئون الدنيا الى صورة لاعب «البيسبول» الذي يبادر بالهجوم.. فصورة لاعب (البيسبول) هي في الحقيقة صورته الواقعية.. أما الصورة الأخرى فهي الصورة التي رسمها له خبراء الدعاية والعلاقات العامة أثناء حملته الانتخابية للتغطية على الدعاية المضادة التي روج لها خصومه والتي صورته شابا متهورا.. واعتمدوا في ذلك على واقعة خرجت من (الأرشيف) وهي واقعة تدخينه (الماريجوانا) وهو طالب في جامعة (بيل) التي تخرج فيها عام 1966 وحصل على بكالوريوس (التاريخ) قبل أن ينتقل الى جامعة (هارفارد) لنيل (الماجستير) في ادارة الأعمال في عام 1975 وقد تعرض لضغوط عائلية شديدة لمواصلة دراساته العليا.. لكن هذه الضغوط فشلت.. فهو يكره الدراسات الأكاديمية.. ولا يحب القراءة.. بما في ذلك قراءة التقارير الرسمية التي وجدها على مكتبه الرئاسي فيما بعد.. ويعتقد أن الخبرة العلمية لا تأتي الا بالاتصال الانساني بالآخرين.. لذلك فهو يجيد الاستماع للخبراء والمستشارين وأصحاب الرأي.. وهو لا يتمسك بموقفه اذا ماوجد انه على خطأ.. هو (برجماتي) يحدد تصرفاته وقراراته حسب مصالحه ولا يخجل من أن يقال عنه أنه (رجع في كلامه). ويزعم بعض الذين كتبوا سيرته انه قال : انه لو خير بين (البيسبول) والرئاسة لاختار على الفور وبدون تردد (البيسبول).. لكن.. من حسن حظه انه لم يتعرض لهذا الاختيار.. وأن كان كتاب سيرته يصرون على أنه لولا عائلته لما وصل الى (البيت الأبيض).. لقد رشح نفسه في عام 1978 لمقعد مجلس النواب عن دائرة (غرب تكساس) وخسر الانتخابات.. ولم يستطع أن يصبح شخصية عامة الا بعد أن ساندته أسرته بقوة ليصبح حاكما لولاية (تكساس) مرتين.. مرة في عام 1994 ومرة أخرى في عام 1998 وفي المرتين كان لا يفوز بأكثر من 53% وقد ظلت هذه النسبة الضعيفة تطارده حتى في الانتخابات الرئاسية. والغريب أن أباه (جورج بوش) الكبير أصر على أن يخلفه في الحياة العامة رغم عدم ميله الى السياسة.. والأشد غرابة أن الأب حرم ابنه الاصغر (جيب) من هذه الفرصة رغم أنه الأذكى والأكثر جدية.. كما أنه متزوج من سيدة جذورها أوروبية بينما شقيقه الأكبر متزوج من سيدة جذورها أسبانية هي (لورا لين ديش) وهي مسألة لها اعتبارها في مواصفات ترشيح الرئيس الأمريكي. الابن المدلل وينتمي (بوش) الصغير الى عائلة كانت مؤثرة في السياسة على مدى نصف قرن.. وهي تعد الآن أقوى عائلة سياسية في الولايات المتحدة.. ان الجد الأكبر (صمويل بريسكوت بوش) كان عضوا بمجلس الشيوخ عن ولاية (كونتيكيت).. ونجح في تسليم عصا القيادة الى ابنه (جورج هيربرت بوش) الذي تولى رئاسة المخابرات المركزية ثم أصبح الرئيس (الأربعين) للولايات المتحدة بعد أن كان نائبا للرئيس (رونالد ريجان) لمدة 8 سنوات.. وقد نجح في النهاية في توصيل ابنه الى (البيت الأبيض) ليصبح الرئيس الثالث والأربعين في البلاد. وفي كتابه (الابن الأول وسلالة أسرة بوش) يقول (بيل مينو تاجليو): (انها أسرة يصعب الوصول الى أغوارها.. وطموحها بلا حدود.. وقد كان شغفهم بالسياسة نتيجة طبيعية لاعتقاد أفرادها بأن على المرء أن ينخرط في الحياة العامة لو كان ذلك ميسورا.. وكان هذا الاحساس لديهم أقوى من المكانة الاجتماعية المرموقة التي وصلوا اليها).. لقد شعر (جورج دبليو بوش) أن في ولاية تكساس التي جاء اليها بعد مولده في مدينة (نيوهيفين) بولاية (كونتيكات) في 6 يوليو عام 1946 مايصبو اليه من فرص النجاح السياسي فسعى الى اغتنامها وفاز مرتين في انتخابات مجلس النواب.. وعرف من أبيه أسرار حملته الانتخابية التي سلكها في دروب تكساس الوعرة.. واستطاع أن يستوعب هذه الدروس لما لديه من ولع بتاريخ أسرته حتى أن المكتب الذي كان يجلس عليه وقت أن كان حاكما لولاية تكساس ورثه عن جده بريسكوت بوش). ومضى جورج دبليو بوش خلال هذه الفترة من حياته يحقق نجاحا تلو الآخر في ولايته دون أن تظهر عليه أية علامات أو اشارات تدل على طموحاته نحو الرئاسة.. وهناك من يقول انه ماهر في اخفاء مشاعره مثله مثل باقي أفراد أسرته الذين خبروا الاحقاد الطبقية وفهموها جيدا بعد أن تندر الخصوم السياسيون بأبيه اثناء مدة رئاسته.. ولكن.. هناك ايضا من يقول انه في الحقيقة كان مدللا ولولا أسرته وأصدقاؤها من أصحاب النفوذ والسلطة لما كانت لديه ولو فرصة ضئيلة للوصول الى (البيت الأبيض).. لقد ذللوا له العقبات . . وسانده الحظ فيما بعد عندما تساوت نتيجة الانتخابات بينه وبين منافسه (آل جور) وحسمت المحكمة العليا الأمر لصالحه في النهاية). وتعد عائلة (بوش) هي العائلة الأمريكية الثانية بعد عائلة (روكفلر) التي قدمت اثنين من حكام الولايات (تكساس وفلوريدا).. فقد تولى (نلسون روكفلر) حكم ولاية (نيويورك) وتولى شقيقه (وينرث) حكم ولاية (أركنسو).. ولكن الأكثر شهرة من عائلة (بوش) هي عائلة (كنيدي).. الرئيس الخامس والثلاثون (1917 ـ 1963).. فقد اجتمعت لهذه العائلة (كل أسباب النجاح مثل الثراء والوسامة والعراقة).. وكانت العائلة الوحيدة التي تجاوزت في شهرتها ونفوذها عائلة (جون آدمز).. الرئيس الثاني للولايات المتحدة الذي حكم في الفترة مابين 1797 و 1801، وكانت أقدم العائلات التي لها تاريخ. وتعد عائلة (بوش) أيضا احدى العائلات الأكثر ثراء في البلاد.. لقد أسس (بوش) الأب في عام 1955 شركة بترولية هي شركة (زباتا بتروليم) التي حققت نجاحا في بداية الستينيات بسبب زيادة عوائد النفط في تلك الفترة.. وقد كانت هذه العوائد غير المتوقعة هي التي أغرته بالاتصال بالحزب (الجمهوري) المحافظ وبدأ مشواره السياسي.. ولم يجد (بوش) الابن أفضل من البترول ليستثمر أمواله فيه.. وقد كون هو أيضا شركة بترول مثل أبيه.. وكان ذلك في عام 1977. رجال الرئيس ويحيط الرئيس (بوش) الابن كل أصدقاء ورجال (بوش) الأب.. إن (ديك تشيني) الذي كان وزير دفاع في ادارة الأب أصبح نائب الرئيس في ادارة الابن.. بل أصبح في الحقيقة أهم نائب رئيس عرفته الولايات المتحدة.. لقد ولد في عام 1941 وعين وزيرا للدفاع في الفترة مابين 1989 و1992 وقام بقيادة اثنتين من أكبر الحملات العسكرية الأمريكية.. فقد دخل (بنما) للقبض على (نوريجا) الذي وجهت اليه تهم عديدة منها الاتجار في المخدرات.. ثم خاض (عاصفة الصحراء) في الخليج.. وبمجرد أن انتهت ادارة (بوش) الأب اعتزل (تشيني) العمل السياسي وتفرغ للعمل الاجتماعي الخيري.. وهو على مايبدو السبب في اختياره نائبا للرئيس.. فليس له طموح يخيف الرئيس الجديد منه.. ولكن دوره يتجاوز كل حدود عرفها نائب رئيس قبله.. انه حلقة الوصل بين (الكونجرس) و(البيت الأبيض).. وهو المتحدث باسم الادارة الجديدة والمدافع عن سياستها.. وهو المفوض ـ لأول مرة ـ في رئاسة اجتماعات مجموعة الأمن القومي والتي تضم وكلاء وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي والمخابرات المركزية.. ولكن.. المشكلة الرئيسية التي تواجه كل هذا النفوذ له هي صحته.. فقد تعرض لأربع أزمات قلبية وأجريت له مؤخرا جراحة في القلب. وهناك أيضا (كولن باول) رئيس الأركان في ادارة الأب الذي أصبح وزيرا للخارجية في ادارة الابن.. وهو أحد الأبطال القوميين في نظر معظم الأمريكيين بعد حرب الخليج الثانية. وقد وجد من يرشحه لمنصب الرئيس أكثر من مرة.. لكنه كان دائم الرفض.. بل انه رفض أن يدخل سباق الرئاسة نائبا للرئيس.. وفضل أن يكون عضوا في الادارة الجديدة.. وهو أسمر مخضرم يزيد عمره على 63 سنة. وهناك كذلك عناصر قوية أخرى.. مثل (دونالد رامسفيلد) وزير الدفاع الذي كان مستشارا للرئيس الأسبق (ريتشارد نيكسون) ثم سفيرا لبلاده لدى حلف (الناتو).. ثم رئيسا لهيئة موظفي (البيت الأبيض) في ادارة الرئيس (جيرالد فورد).. وهو رجل صامت.. حاد.. يعرف كيف يفرض مايريد بلا تردد.. ومثل (بول أونيل) وزير الخزانة الذي عمل من قبل في مكتب (الادارة والميزانية) في (البيت الأبيض).. وقد وصفه (بوش) بأنه «أفضل رجل مناسب لهذا المنصب لأنه يؤيد نفس أفكاري يخفض الضرائب». لقد حرص (بوش) عند تشكيل ادارته على اختيار عناصر قوية ومؤثرة (تعوض افتقاره الى الحنكة السياسية والخبرة الدولية).. وتتسم هذه الادارة (بالتنوع حيث تضم عناصر من أصول اسبانية وافريقية واسيوية ولبنانية).. ولكن.. ذلك لم يمنع الشارع الأمريكي من وصف هذه الادارة بأنها أشبه ماتكون بمجلس الوصاية على العرش.. أو بمجلس العائلة الذي يرشد الرئيس الجديد الذي يستثقل دم السياسة والسياسيين. وقد بدأت هذه الادارة عملها بتوجيه كل اللوم لادارة الرئيس السابق (بيل كلينتون) فرغم نجاحها المذهل في انعاش الاقتصاد الأمريكي الا انها لم تكن حاسمة في معظم المواقف والمشاكل الدولية التي صادفتها وهو مالم يكن مناسبا في رأي الادارة الجديدة لما وصفته بهيبة الولايات المتحدة.. لكن.. يبدو أن استعادة واسترداد هذه الهيبة هو مادفع الادارة الجديدة للدخول في متاعب الجاسوسية مع روسيا والصين الشعبية وكأنها تعيد تذكير العالم بأجواء الحرب الباردة التي تصور الناس انها انتهت بسقوط الشيوعية في أوروبا وبتفتيت الاتحاد السوفييتي.. ويبدو كذلك انه هو الذي دفعها للابتعاد عن الشرق الأوسط حتى لا تغرق فيه دون أن تصل الى نتائج ملموسة كما حدث لمن سبقوها. إن هناك انقلابا حقيقيا جرى في (واشنطن) بعد وصول (بوش) الصغير الى (البيت الأبيض).. انقلابا سيؤثر على الدنيا كلها.. ولن نمكث وقتا طويلا حتى نلمس أبعاده ونتائجه.. بل أننا أول من سيلمس هذه النتائج.. ونظرة واحدة على مايجري في (فلسطين) المحتلة يؤكد أن التغيير في السياسة الأمريكية يبدأ من هنا.. وهذه قضية أخرى. ـ كاتب مصري