وقفت كثيرا أمام حكاية الفتاة الملقبة بـ (المسخ) أو (الوحش) بسبب التشوه الواضح الذي تعاني منه جرَّاء تضخم فكها وجحوظ عينيها بشكل يثير الرعب وأحيانا التعاطف، والذي استوقفني في الحكاية اصرار الفتاة على حقها في امتلاك وجهها كما هو، ورفض كل الاقتراحات الداعية لاجراء عملية تجميل تخلصها من هذا القبح الذي عرضها للكثير من المضايقات والدموع، ودفعها لفترة من الزمن لعلاجات الاكتئاب والهروب من الاختلاط بالناس. وبالفعل فحكاية هذه الفتاة ليست سوى صورة متكررة تحدث لأناس كثيرين يدفعون ثمن حماقات المجتمع ومواقف الناس المحيطين بهم والذين يفتقدون الجانب الانساني في تعاملاتهم بشكل واضح، لقد أجرت الفتاة صاحبة الوجه (المشوه) بحثاً مطولاً عندما دخلت الجامعة حول النماذج أو القوالب الشائعة في المجتمع من حيث الوجوه والأشكال ومن حيث القبح والجمال والإعاقة وعن الظلم والتحامل اللذين ينطلق منهما أفراد المجتمع في التعاطي مع هذه النماذج دون أية مراعاة للجوانب الانسانية. لقد كانت نتيجة البحث الذي أجرته الفتاة ان المشكلة ليست في التشوه الذي تعاني منه، المشكلة ليست في وجهها فهي تتعايش معه بسلام وبقبول دون ان يمنعها من التمتع بحياتها أو القيام بواجباتها، إنما المشكلة في موقف الناس منها، ان وجهها لا يجعلها تعود كل مساء بعينين دامعتين إلى المنزل، بل حملقة الناس ونعوتهم السيئة وعباراتهم القاتلة هي سبب حزنها وكآبتها. وبشكل عام فنحن مجبولون كبشر على عشق الجمال والتعلق به والبحث عنه، لكننا بالتأكيد لم نتفق بعد على ماهية الجمال، فكل يرى الجمال بطريقته وبتركيبته الروحية والنفسية، فكثيرون يرددون ان الله جميل يحب الجمال، ولكن لم يفسر لنا أحد ما هو الجمال الذي يحبه الله؟ وحتى المرأة الجميلة لم يتفق رجال العالم على جمالها و (نابليون الأول) قال: المرأة الجميلة تروق العينين، والمرأة الطيبة تروق القلب، الأولى جوهرة، والثانية كنز، فأيهما أفضل إذن؟ عندما قرأت حكاية الفتاة التي ورثت عن أبيها وعمها جينة التشوه التي ينتج عنها تضخم الفك وجحوظ العينين، وجدت في اصرارها على الحياة كما خلقها الله جمالاً من نوع خاص، جمالاً يتمركز في قوة ذاتها واعتزازها بقدراتها وصبرها على الآخرين، فحتى صديقتها المقربة في المدرسة عندما وجدت وجه (فيكي) يميل تدريجيا نحو التشوه بدأت تنفر منها وتتسلى برسم وجهها والتعليق عليها، حتى جاء ذلك اليوم الذي قذفتها في وجهها بالكرة! مما جعل (فيكي) تستعد نفسيا لأيام ستكون صعبة ولحياة يبدو أنها لن تمر بسهولة ولكنها صممت على التحمل، والمشكلة انها لم ترتكب ذنباً أو جرماً أو اساءة ضد أحد! لكن الناس هكذا جبلوا على البحلقة في عيوب الآخرين الصغيرة، وتناسي عيوبهم التي تقترب من حدود الآثام والخطايا. ان هَوَسنا بالجمال لا يعني ان ننسى فضيلة الجمال الداخلي، فالجمال ليس جسداً وأعضاءً متناسقة فقط، انه النبل والطيبة والوفاء والكثير من الفضائل التي تجعلك بناء نفسيا تشع كقمر وتدفئ كموقد، وتنعش كقطرات المطر، وتفرح من حولك كشجرة فل عابقة، وبالتأكيد فليس من الجمال والفضيلة ان نحول حياة إنسان لجحيم وكآبة فقط لأن الله خلقه بطريقة لا تروق لنا!