عندما كنت صغيراً (ويمكن الحديث بصيغة الجمع) عندما كنا صغاراً، كانت المعرفة مفتاح العالم وتلك المعرفة لم تكن متاحة لنا إلا عبر القراءة فهي الوسيلة الرخيصة والمقبولة اجتماعياً ليكون المرء مثقفاً ولعل لها مرجعيات دينية حيث لايخلو بيت من بيوتنا من قرآن كريم نلوذ به وإليه في كل حين وبين سطوره المقدسة كبر حلم الآباء بمستقبل زاهر لابنائهم الذين اتخذوا القراءة سبيلاً لفهم العالم وتوسيع المدارك. واذا كنت عمرياً لا انتمي إلى ذلك الجيل الذي يقدس الذكريات ويسيجها بهالة العذوبة، لكني انتمي معرفياً إلى ذلك الجيل الذي تحولت ذكرياته العذبة الى ندم لا تنفع معه عض الأصابع. فلو رجعنا الى الوراء عشر سنوات فقط لأدركنا كم أصبحت تلك المسافة قاسية بين جيلين، حيث انتهج جيل التسعينيات التقنية المتطورة مفتاحاً للعيش وسط عالم جديد بكل مفرداته بينما كان جيل الثمانينيات يتبع المنهج التقليدي في المعرفة والتعلم. وسأضرب امثلة بسيطة، فقد كنت فتى يافعاً مطلع السبعينيات وسط عائلة كبيرة تشعبت اهتماماتها بين التعليم والرياضة واللهو، فأحببت القراءة لانها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامي آنذاك، وعرفت عبر مصروفي الصغير طريقاً إلى استئجار الكتب من عند «أبو عمر السواس» صاحب دكان في الحي يبيع المواد الغذائية والقرطاسية ولديه هاتف عمومي له حصالة نقود يفرغها كل مساء لتمتليء في الصباح، فقد كان الهاتف ترفاً اجتماعياً لا يطاله الجميع، وكان السواس يمتلك في دكانه مكتبة فيها كتب مكدسة متفاوتة الحجم والمعنى وجميعها كتب قديمة أصابها الاهتراء من شدة التخزين أو كثرة الاستعمال، فقد اقترح علي السواس آنذاك ان يؤجرني قصص أرسين لوبين بربع ليرة وكتب اجاثا كريستي بنصف ليرة وقصص نجيب محفوظ بستين قرشاً وأخيراً اعطاني رواية «ذهب مع الريح» لمارجريت ميتشل بليرة سورية واحدة، وكان كتاباً عملاقاً من جزءين على ان اعيده بعد خمسة عشر يوما، ولكني التهمته في اسبوع كانت والدتي حينها تطردني من كرسي إلى آخر وانا اقرأ الكتاب حيث تريد تنظيف البيت بمساعدة «أم عبدو» وهي امرأة افضل وصف لها انها حافظة اسرار امي ولديها مفاتيح غرف لا يدخلها الصغار. ما تقدم ليس حديثاً في افول الذكريات وعذوبة شريطها البريء، ولكنها مقايسة لما يشب عليه الابناء اليوم، وعلي هنا ان ادلل بمثال حاضر، انظروا حولكم هل يوجد فتى لا يحمل هاتفاً نقالاً يثرثر فيه هادرا أموال ابيه في «طق الحنك»، وهل يوجد شاب في مقتبل العمر لا يملك مفاتيح سيارة يركنها على باب مدرسته أو جامعته صباحاً ويشفط فيها ليلا وهل قرأ هؤلاء الابناء كتاباً يعينهم في سلامة الانشاء عندما يحضرون امتحاناً في اللغة العربية. بل هل يجيدون الانجليزية حقاً حتى يتخلوا عن العربية؟ انها امثلة قاتمة تعكس واقع حال الابناء الذين ذهبت بهم هواياتهم الى الاستسهال والى التعلق بتقاليد لا تعود عليهم بالنفع سوى ارهاق ميزانية الاسرة، وسط تشجيعنا لهم واستحساننا لما يفعلون، واذا لم نحصد ما زرعنا فيهم الان من استسهال ولا مسئولية فلأن موعد الحصاد لم يحن بعد، ولكن المقدمات تشي بالنتائج وراقبوا معي برامج المسابقات لتعرفوا صدق كلامي. E-Mail:h-s-d@maktoob.com