بغض النظر عما تنتهي إليه الأزمة الامريكية الصينية عن احتجاز السلطات الصينية لطائرة تجسس امريكية واعتقال 24 امريكيا هم طاقمها بالكامل فإن الأزمة، بتداعياتها المعقدة ونتائجها المرتقبة، سوف تثبت انها اكبر نقطة تحول في ساحة الصراع الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي كل الاحوال ربما نكون شهودا الآن دون ان ندري على بداية العد التنازلي لعصر «القوة العظمى الوحيدة». دفعة واحدة نقلت الأزمة الصراع الامريكي الصيني في ركن هاديء في ساحة العلاقات الدولية الى مقدمة المسرح. والمشهد الأول الذي رآه العالم بغير قليل من الاندهاش هو محدودية الهامش المتاح للقوة العظمى الامريكية تجاه «الخطر الصيني». تتلخص الأزمة في عجز الادارة الامريكية عن حمل بكين على إطلاق سراح الطائرة المزودة بأنظمة تجسسية عالية التكنولوجيا قادرة ـ ضمن استعدادات فنية أخرى ـ على رصد مكالمات الهواتف الجوالة والرسائل الالكترونية وإطلاق سراح اعضاء طاقمها الذين لابد أنهم جميعا اخضعوا لجلسات استجواب مكثف في مقر اقامة كل منهم في جزيرة «هينان» الصينية. في مثل هذه المواقف العصيبة درجت الولايات المتحدة على استخدام القوة أو التهديد باستخدامها إما بصورة مباشرة أو عن طريق مجلس الأمن الدولي. وما اكتشفته واشنطن الآن هو أن من المستحيل تطبيق هذه الوسيلة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الحالة الصينية، على حين فجأة ادركت الولايات المتحدة ان الصين ايضا قوة عظمى، وبالتالي هي تدرك الآن ان اي اشتباك عسكري مع الصين قد يفضي الى حرب نووية. فالصين دولة نووية متقدمة. أما على صعيد مجلس الأمن الدولي فان الصين ايضا تملك حق النقض «الفيتو». الخيار الوحيد المتاح اذن امام الولايات المتحدة لادارة الازمة مع الصين هو خيار الوسيلة الدبلوماسية غير المسنودة بأداة ردع حاسم. هنا تواجه واشنطن عنادا صينيا حازما حيث أن من الواضح ان بكين مصممة على ارغام واشنطن على دفع ثمن مقابل تسلمها طائرتها ومواطنيها الجواسيس. وهكذا تواجه الولايات المتحدة أشد المواقف حرجا منذ نهاية عصر الحرب الباردة عند مطلع عقد التسعينيات، فهي بطبيعة الحال ليس بوسعها قبول اي صيغة لحل الازمة لا تتضمن اطلاق سراح الطائرة وطاقمها. لكن في الوقت نفسه لا يليق بها كدولة عظمى قيادية تعتبر نفسها القوة الدولية الوحيدة في الساحة العالمية ان تتقدم الى الصين، مقابل استرداد الطائرة والطاقم، باعتذار مهين دون ان تخاطر بذهاب هيبتها الدولية. غير ان من شبه المؤكد وفقا للتداعيات التي تفرزها الازمة مع مرور كل يوم، ان الولايات المتحدة سوف تضطر عند نهاية المطاف وفي كل الاحوال على دفع ثمن ما، وبالتالي سوف تخرج من دائرة الازمة وقد فقدت غير قليل من هيبتها. هذا ما أعنيه عندما قلت آنفا ان هذه الازمة قد تمثل نقطة تحول فارقة في مسار الصراع الدولي، ففقدان الولايات المتحدة قدرا من هيبتها كقوة عظمى في المواجهة مع الصين سوف تهتز له ثقة دول شرق آسيا في واشنطن. تايوان واليابان وكوريا الجنوبية، حلفاء واشنطن الحميمين في المنطقة سواء يؤرقهم تساؤل خطير: الى اي مدي يمكن ان نراهن على الاعتماد على الحماية الامريكية؟ واذا كانت هذه الحماية مطلوبة من اتقاء شر الخطر الصيني المفترض فإن التساؤل التالي سوف يكون: أليس من الحكمة، وقد ثبت ان واشنطن لا تصمد حيال بكين في المواقف الفاصلة، ان نستعيض عن «الحماية» الامريكية بتفاهم مع الجارة الكبرى، الصين؟ احمد عمرابي