قانون العودة وغايته تجميع المنفيين، وقانون التعليم الحكومي الذي ترعاه الدولة في سبيل ومن أجل «ازدهار الثقافة اليهودية في الوطن الأم (إسرائيل)». «إن قانون العودة ليس مثل قوانين الهجرة سارية المفعول في البلدان الأخرى، إذ تنص تلك القوانين على الشروط التي تقبل الدولة بموجبها بعض طبقات المهاجرين من الخارج. بل إن قانون العودة هو قانون الديمومة التاريخية والاستمرار للصلة القائمة بين شعبنا وأرض إسرائيل. وهو يضع المبدأ الأساسي الذي تم بفضله إحياء دولة إسرائيل، كما سيعود إليه الفضل في بقائها ونموها وتحقيق رسالتها في الخلاص القومي». وللجماعات اليهودية في المنفى، أو الشتات تجارب تاريخية متعددة ومختلفة بسبب المكان والزمان. فمن المؤكد ان الجماعات اليهودية التي عاشت في أثيوبيا (الفلاشا) والتي مكثت في أثيوبيا مئات السنين حملت معها وتأثرت بقيم وحضارة وموروث الشعب الحبشي الأثيوبي، وهكذا أيضاً الجماعات اليهودية التي عاشت في شرق أوروبا (يهود اليديشية)، وكذلك الجماعات اليهودية التي عاشت بين مواطني الأمة العربية، والجماعات اليهودية التي عاشت في آسيا. كل تلك الجماعات التي أقامت في الشتات أخذت معها كثيراً من القيم والموروث الحضاري للشعوب والأمم والأوطان الحاضنة، وكذلك كانت هي الأخرى حاملة لمفاهيم ومعتقدات وموروث وتواريخ، ومن هنا كانت الأهمية القصوى للعقيدة الصهيونية، وكانت نفس الأهمية للربط بين اليهودية كدين والصهيونية كعقيدة قومية، حتى يتم صهر كل تلك القيم المحمولة والمتضاربة عن تلك الجماعات في إطار نسق متناغم إيجابي لصالح الوطن الموعود وشعب الله المختار. لكن تعدد تلك القيم والمواريث والتواريخ أصاب تلك الجماعات التي كانت في المنفى حسب الرؤية اليهودية وأصاب أيضاً المواطن الفرد بعيوب شديدة في مسلكه وطرائق تعبيره وطرائق تفاعله مع الآخرين، وقد ظهرت هذه التأثيرات جلية في مسلكيات التجمع الصهيوني على أرض فلسطين، كما ظهرت في كافة الأوطان والشعوب الحاضنة لهم على بقاع كثيرة من العالم. وكان ذلك طبيعياً ومتسقاً مع مفاهيم وفتاوى مقدسة وتفاسير توراتية ذات غرض صهيوني من قبيل «الإنسان اليهودي رغم انحطاطه المادي، ورغم كل الظروف التي تحيط به فهو أكثر سمواً من «الجوييم» غير اليهود لأن الله اصطفاه دون العالمين». وأن «اضطهاد اليهود عبر التاريخ هو إحدى علامات هذا الاصطفاء لأن اليهود هم «الشعب المختار» الذي تعلو إنسانيته على كافة البشر، كما يعلو تاريخه على تاريخ العالم أجمع، وقد سجل قيم التعالي والسمو هذه بوضوح، الكثير من قيادات اليهود الصهاينة مثل «ليوبنسكر» و«هرتزل» و«بن جوريون» و«نتانياهو» و«شيمون بيريز» وآخرين كثيرين. لذلك كانت مسلكياتهم في الواقع تعبيراً عن السيادية والوحشية والعنف والإرهاب، فهي الإفراز الطبيعي لكل تلك القيم والموروثات المحمولة داخل ذلك التجمع، ويكفي للتدليل على تلك المسلكيات ان نقرأ اعترافات نماذج من إرهابيين عنصريين صهاينة، قاموا هم بنشرها مثل: لافنر «مذكرات قاتل» ومن المعروف أنها اعترافات عضو عصابة شترن. وهناك ميشيل بارزوهاد في كتابه «المنتقمون .. دراما اليهود الجريئين الذين ينتقمون للستة ملايين يهودي الذين ماتوا» وكتابه الآخر الذي تفاخر فيه بعملية قتل العلماء الألمان في مصر تحت عنوان «اصطياد العلماء الألمان 1944 ـ 1970م» وكتاب جابوتنسكي المعنون بـ «قصة الفرقة اليهودية» وكتاب «دوف كوهين» تحت عنوان «غزو قلعة عكا» وكتاب «الأرجون» من تأليف بيجين، كما كتب «بن صهيون دينور: تاريخ الهاجاناه». وكتاب «فرانك جيرولد» تحت عنوان «العمل العظيم اغتيال اللورد موين» ومذكرات كل القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين. كثيرة هي الكتب والمذكرات التي يتفاخر فيها القادة بالعنصرية والوحشية والسادية والعنف والإرهاب. ويكشف تصريح «يوسشكين» أحد زعماء الصهيونية وذلك في عام 1903 عندما زار فلسطين عن عمق الصراع داخل تلك الجماعات اليهودية الصهيونية، عندما قال «هذه الخلية الإسرائيلية الحية سوف تنمو وتتطور .. غير ان المصيبة الكبرى هي في تكوين هذه الخلية من اليهود الاشكينازيين، والسفارديم، والمراكشيين والفارسيين، والجورجيين والنحاريين واليمنيين، وكل فئة منهم تناصب العداء لبعضها بعضاً». ويكشف قول آحاد هاعام مؤسس مدرسة الصهيونية الروحية «أن اليهودية إذ تخرج من أسوار الجيتو الانعزالية تتعرض إلى خسارة كيانها الأصلي» عن دعوة صريحة بالانغلاق على الموروث وعدم التفاعل مع الآخرين وما بالنا إذا كان الآخرون جوييم. إنها قيم العزلة والانغلاق والتصلب. إنها عقلية القبيلة غير المنطقية. الايديولوجية النازية وعلم النفس وعلم الاجتماع للسلوك الإنساني غير المنطقي يعطي تفسيراً لتلك الحالات الشاذة، وهي نفس الإجابة كما يقول د. ملاك جرجس في كتابه «سيكولوجية الاستراتيجية الصهيونية ومفهوم إسرائيل للسلام» الصادر عام 1981، التي تفسر منطق الأيديولوجية النازية، والتي تفسر منطق التفرقة العنصرية. تفكير أسطوري يرتبط بعقائد قبلية غير علمية تستخدم في تحقيقها أساليب حضرية علمية وعملية. و يكشف لنا أيضاً تصريح «يوري أفنيري» عن الصابرا - جيل الدولة الإسرائيلية عن الفرق بين جيل التنشئة الاصطناعية وأجيال الشتات والعودة فيقول: «إن الاختلاف بين الصهيوني والابن الإسرائيلي أكثر من مجرد اختلاف بين جيلين، إنه طفرة، إن الاختلاف في الحياة والطعام والطقس والتقاليد والشخصية والبيئة الاجتماعية تجعل الابن المولود في «إسرائيل» يختلف عن أبيه الذي ولد في «الجيتو». لقد أصبح الشاب الإسرائيلي في أوروبا أو أمريكا يألف ان يسمع هذه العبارة: «ولكنك لا تبدو كيهودي»، وهذه العبارة فيها نوع من الحقيقة. ان الصابرا اليهودي يختلف عن أجداده مثلما يختلف الإسرائيلي أو الأمريكي عن أجداده الإنجليز. إن الثقافة اليهودية التي خلقت في «الشتات» بواسطة أقلية دينية مضطهدة لا تجد صدى في نفوس الجيل الجديد الذي يبالغ في إظهار حريته. والدين اليهودي الذي يعتمد أساساً على التلمود، وهو نتاج «الشتات» تحول إلى شعارات حزبية فقط، أما التوراة، فلا تزيد عن كونها كتاباً في الأدب العبري ارتفعت مكانته وشعبيته في إسرائيل. وأخلاق هذا الجيل هي رد فعل قوي للضعف والاستكانة والمذلة، فهو جيل مشبع بفكرة الاعتماد على النفس، والتفوق، وعدم التعاطف مع الغير، ويكره الأغيار جداً، لا يؤمن إلا بالقوة للوصول لأهدافه. ويؤكد ذلك ان أحد شعارات الصابرا هو «وجود إسرائيل أو عدم وجود إسرائيل» إذن لا حلول وسطاً والسلام في مفهومهم هو سلام القوة والأمر الواقع وسلام الهيمنة وسلام إسرائيل على العرب أي سلام الصهيونية ومشروعها. إذن لا فرق بين يهود المنفى ويهود الصابرا، طالما كانت الأيديولوجية الصهيونية هي التي تعمل على التنشئة الاجتماعية الإسرائيلية، ولعل ذلك يجعلنا نتناول التعليم كأحد مفاعيل عملية التنشئة تلك. وأخيراً فلقد استطاعت الحركة الصهيونية بشقيها العلماني والديني ان توظف عقيدة المنفى والعودة لصالح فكرة الوطن الموعود عبر حشد وتعبئة الجماعات اليهودية في «المنفى» للاستيطان في أرض فلسطين العربية، كما استطاعت عبر الصهيونية ان تؤطر كافة القيم والمواريث والتواريخ المحمولة لديهم حتى لا تتعارض وتتضارب. ومن هنا ظهر مفهوم تكامل الأدوار وتكامل المهام في التجمع الصهيوني على أرض فلسطين. ـ كاتب مصري