بعكس ما يعتقد البعض عن الحركة السياسية في العالم في اطار القطبية الواحدة، تتحرك بعض دول امريكا اللاتينية بوحي من عدد من زعمائها الجدد لتشكيل حركة مستقلة عن مركز تلك القطبية الواحدة المتمثلة في الولايات المتحدة الامريكية، على الرغم من اقترابهم جغرافيا من مركز تلك القطبية القابع في البيت الابيض الامريكي، وربما يبدو هذا غريبا في الوقت الذي تبدو فيه بعض بلدان العالم الثالث مستسلمة تماما لمصيرها في الدوران في دائرة الجذب للقطب السياسي الواحد في العالم. وربما كانت الحركة السياسية التي يراها زعماء الدول الثلاث: فنزويلا والمكسيك وكولومبيا هي التي دفعتهم الى الجلوس معا والتوصل الى شكل من اشكال التعاون فيما بينهم، خارج نطاق العمل الفردي الذي يكاد يكون السمة الرئيسية للحركة السياسية لبلدان أمريكا اللاتينية بشكل خاص، والعالم الثالث بشكل عام، فقد وجد هوجو تشابث (فنزويلا) وفيثنتي فوكس (المكسيك) واندريس باسترانا (كولومبيا) أنهم يعيشون في عالم يحتم على كل ضعيف فيه أن يبحث عن آخرين يشدون أزره، في شكل تكتل ثنائي او ثلاثي او اقليمي، في ظل ضعف المنظمة الدولية الوحيدة «الأمم المتحدة»، التي تكاد تكون منظمة تابعة للسياسة الامريكية، وأيضا وجدوا أن تكتلات اقليمية موجودة يمكن ان تصبح قوى لها وزنها في المستقبل القريب، وهي قوى موجودة في شكل أقطاب جديدة قائمة، ولكنها لا تبدو عبر قوتها الحقيقية كما هو الحال بالنسبة لمجموعة دول الاتحاد الأوروبي أو الصين. أو قطبية قديمة تحاول النهوض من كبوتها وتحاول استغلال «عنجهية القوة» التي تصيب الرؤية والادارة الامريكية بعمى الألوان السياسي، ويفقدها الكثير من مصداقيتها امام حلفائها والعالم أجمع، وبالتالي ينعكس ذلك على السياسية الخارجية لها، مما اتاح الفرصة لما يمكن ان نسميه «حرباً باردة» جديدة تقف على ابواب التاريخ وتنذر بعودة للماضي السياسي الدولي الذي كان قائما حتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين الذي نعتبره قرنا ماضيا. من هنا كانت اهمية اللقاء الثلاثي لزعماء فنزويلا والمكسيك وكولومبيا الذي انعقد مع بداية الاسبوع المنتهي في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، في محاولة لدفع مشروع قديم بين الدول الثلاث بدأ عام 1989 وتم الاعلان عنه في مدينة بويرتو اورداث لتشكيل منطقة جمركية حرة، باتجاه خلق تجمع جديد يشكل قوة اقليمية في حد ذاتها نظرا لتمتع الدول الثلاث بوجود اقتصادي كبير وبشكل خاص فنزويلا والمكسيك كمنتجين من اهم البلاد المنتجة للبترول وتلعب فنزويلا حاليا دورا مهما في مجموعة الدول المصدرة لهذا الخام الاستراتيجي الحيوي، ويكفي ان نعرف ان الامين العام لتلك المنظمة علي رودريغيث فنزويلي الجنسية ويعتبر من اقرب المقربين من الرئيس الفنزويلي هوجو تشابث، واحد منفذي سياسته النفطية قبل ان ينتقل الى الاوبك، وكولومبيا تعتبر ايضا منتجة لهذا الخام وان كان وجودها في سوق التصدير بدرجة اقل. اضافة الى هذا فان الدول الثلاث تشكل معا سوقا تجارية كبيرة، تحلم بدخولها معظم الشركات الكبرى في العالم وبالتالي يمكنها ان تصبح منطقة جذب لاستثمارت مالية ضخمة، حيث يبلغ مجموع سكانها معا حوالي 170 مليون نسمة، منهم مائة مليون في المكسيك وحدها، التي تشكل اكبر تلك الدول حجما من ناحية الكثافة السكانية. لذلك يمكن اعتبار الدول الثلاث المتكاملة جغرافيا بتجاور حدودها أنها تشكل سوقاً حرة ضخمة، وان كان المأمول ان يأتي هذا الاجتماع ليشكل دفعة لحجم التجارة البينية اولا، والتي كانت عام 1994 تصل الى ما يقرب من المليارين ونصف المليار دولار، وارتفعت بحلول عام 2000 الى ما يقرب من الاربعة مليارات، ولذلك كان تركيز الزعماء الثلاثة على زيادة حجم التبادل التجاري بينهم وتصحيح الوضع الحالي الذي يجعل حجم التجارة البينية اقل من حجم تجارتهم مع الدول والتكتلات الاخرى. ومن المؤكد ان الزعماء الثلاثة بحثوا مدى استفادتهم من انتماء بعضهم الى تجمعات اقليمية قائمة للتوسع اقتصاديا، كما هو الحال بالنسبة للمكسيك، التي تعتبر عضوا في مجموعة «نافتا»، التي تضمها مع كل من الولايات المتحدة الامريكية وكندا. النتائج الاولية لاجتماع الزعماء الثلاثة يبدو مشجعا، فقد اتفقوا على العديد من الاساسيات التي يطمحون الى تنفيذها منها: تشجيع اللقاءات وقنوات الاتصال على مختلف المستويات، مما يسمح بالحفاظ على استمرارية الحوار وديمومته، حيث تم الاتفاق على ان يجتمع رؤساء مجموعة الثلاثة بصفة دورية كل عامين بينما يجتمع وزراء الخارجية مرة كل عام، ونواب وزراء الخارجية مرة كل ستة أشهر، وهي فترات روعي فيها ان تشكل استمرارية اللقاء والمشاورات حول كل مستجد في السياسة الدولية يمكن ان يؤثر في تقاربهم. تكثيف المشاورات وتبنّي مواقف مشتركة, عند الضرورة، في الموضوعات الملائمة والمتقاربة المواقف منها، وذلك في إطار المنتديات والمحافل الدولية والآليات المتعددة الاطراف، لأنهم يعرفون أن عالم اليوم في حاجة إلى الدعم والتكامل مع آخرين. مضاعفة الجهود البينية بغية تحقيق التزامات التعمق في تنفيذ معاهدة التجارة الحرة بين اعضاء مجموعة الثلاثة، بهدف توسيع نطاق مزاياها، وتشجيع انضمام خدمات التمويل الى عملية ضخ الأموال وزيادة رؤوس الاموال المستثمرة في القطاع الانتاجي في الدول الثلاث. دعوة قطاعات رجال الاعمال الى عقد لقاءات ثلاثية دورية والابلاغ عن نتائجها في الاجتماعات الرئاسية، حتى يمكن رسم سياسات اقتصادية تتكامل فيها جهود رجال الاعمال في الدول الثلاث لخدمة القطاعات التي تحتاجها قبل غيرها، وحتى لا تتناقض الخطط فتشكل عاملا مشتتا للجهود. تشجيع مشاركة اكبر من جانب الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لاقتصاديات اليوم في ظل تخلي الشركات الكبيرة عن دورها الانتاجي في تلك القطاعات، وأيضا باعتبار ان الشركات الصغرى والمتوسطة تعتبر جزءا مهما ومكملا للاقتصاد الثلاثي لهذه المجموعة الدولية. الدعم الجاد للتبادل التجاري وتدفق الاستثمارات من خلال برامج الدعاية والتعريف بمشروعات الاعمال المرغوب الاستثمار فيها على النطاق الاقليمي وخارجه. تعزيز تبادل المعلومات بغرض تشجيع الاعمال المشتركة التي تساعد على استقرار اسواق الطاقة، خاصة أن فنزويلا والمكسيك يمكنهما ان تلعبا دورا مهما في استقرار اسعار النفط نظرا لقدرتهما التصديرية العالية. تشجيع المبادرات التي تتضمن مشاركة قطاعات انتاج الطاقة والصناعات المعاونة لها باقطار مجموعة الثلاثة وتؤدي الى دعم الاستثمار والتنمية الاقتصادية بهذه البلدان. السعي الى الحصول على الدعم المالي من البنك الامريكي للتنمية، الذي يعتبر بنك امريكا اللاتينية الرئيسي، و كذلك من المنظمات الدولية الأخرى في تنفيذ برامج تساهم في اندماج قطاعات الطاقة في دول مجموعة الثلاثة ودول امريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي. دعم البرامج الموجهة الى القطاعات الاكثر فقرا من المواطنين، التي تمثل رأس مال بشري مهم. استحداث «صندوق» برأسمال مبدئي قدره 100 مليون دولار بالتعاون مع البنك الامريكي للتنمية وهيئة الانديز للإنعاش, بهدف مكافحة الفقر والتخفيف من حدة البطالة التي تنتشر في تلك الدول على الرغم من ثرواتها الطبيعية غير المستغلة. وربما من المفيد ان نشير الى ان الايجابي في هذا اللقاء تخطي العقبات التي كان يمكن ان تشكل عوائق حقيقية امام تفاهم رؤساء الدول الثلاث، وبشكل خاص مشكلة الحرب الاهلية غيرالمعلنة التي تعيشها كولومبيا وتضعها على رأس اكثرالدول خطورة في العالم من الناحية الامنية، لذلك لم يتعرض الرؤساء الثلاثة لمسيرة احلال السلام في كولومبيا والتي يحاول قيادتها الرئيس اندريس باسترانا منذ وصوله للسلطة والتي تحتم عليه ايضا التعامل مع الولايات المتحدة بشكل لصيق لان مساعداتها العسكرية تعتبر عاملا اساسيا ومهما في تعامله مع الاوضاع الامنية في بلاده. لكن الرئيسين الفنزويلي والمكسيكي وقعا على وثيقة ملحقة بالبيان الرئيسي الصادر عن لقاء قمة كاراكاس اشارا فيه الى «التقدم الايجابي» في محادثات السلام بين المتمردين والحكومة الكولومبية. على اي حال تمثل هذه الحالة السياسية الجديدة في امريكا اللاتينية نوعا جديدا من المبادرات السياسية التي يمكن ان تكون بديلا عن الحركة السياسية الفردية الصعبة في زمن تحاول فيه الدول المتقدمة ان تفرض ارادتها على الدول الصغيرة تحت مسميات العولمة المطاطة، التي كثرت شعاراتها هذه الايام، وجعلت العديد من السياسيين في دول العالم الثالث يستسلمون لقدر اسمه «العولمة» لا راد له ولا لسطوته. كاتب مصري