جاءت ازمة طائرة التجسس الامريكية التي سقطت في احدى الجزر الصينية في مطلع هذا الشهر والتي اشتدت بسببها التصريحات بين الطرفين ومازالت محتدمة من خلال ارتفاع نغمة التهديد، وارتفاع ايقاعه صعودا وهبوطا بين الطرفين فأصرت الصين على ان تقدم الادارة الامريكية اعتذارا رسميا في حين حاولت واشنطن حفظ ماء الوجه بتقديم اعتذارات مستترة لوالد الطيار الصيني تارة وبالأسى على موته تارة اخرى كما جاء على لسان الرئيس الامريكي لتعكس لنا طبيعة العلاقة بين الطرفين. فأمريكا التي توجه السياسة العالمية كدولة القطب الواحد منذ اكثر من عشر سنوات على الاقل ترى نفسها اكبر من ان تقدم اعتذارا رسميا يظهرها بمظهر الضعيف او المخطيء حتى ولو كان هذا الاعتذار عن جريمة حقيقية في حق دولة عظمى ذات سيادة كالصين متذرعة بأن الطائرة كانت تطير في المجال الجوي المسموح به وبكين كقوة صاعدة تعرف امكانياتها كند قوي يصرعلى كسر شوكة واشنطن من خلال تقديم الاعتذار الرسمي غير مبالية بتهديدات واشنطن بالخسائر الاقتصادية التي ستفقدها بكين اذا اصرت على موقفها في تلك القضية تلك هي الصورة التي تعكسها طبيعة الازمة الحالية كما تبدو لنا على شاشات التلفزيون في نشرات الاخبار وفي تحليلات الصحفيين لكن هذه الازمة من وجهة نظرنا تأخذ بعدا اخر ابعد كثيرا من مجرد سقوط طائرة تجسس امريكية في الصين دعونا نحاول قراءة ملامح تلك الازمة في سياقها الطبيعي الذي يبدو لنا وهو ان هذه الازمة هي في واقع الامر وحقيقته اختبار كل طرف لقوة الآخر. فواشنطن تتصرف في تلك الازمة منذ بدايتها باعتبارها دولة القطب الواحد الذي يسير شئون الكون وبالتالي تلوح لبكين بمنطق البلطجي الذي لايريد ان يفقد قبضته الحديدية او تهتز مكانته امام الجماهير حتى لا يتمردوا عليه فيهدد ويتوعد تارة ويحاول اغراء المتمردين عليه بمنحهم بعض المزايا وهذا ما نلمسه في تصريح وزير الخارجية الامريكي كولن باول بأن الصين ستخسر اقتصاديا نتيجة اصرارها على تقديم واشنطن للاعتذار الرسمي وربما لهذا السبب اوعزت امريكا من طرف خفي الى كوفي عنان امين عام الامم المتحدة بالتدخل في محاولة منه لاحتواء الازمة او بمعنى اصح حفظ ماء وجه امريكا المراق غزيرا في تلك الازمة. لكن هذه الازمة تعكس من جانب اخر مدى التخبط الذي تعانيه السياسة الامريكية الحالية منذ وصول جورج بوش الابن الى البيت الابيض وادارته والتي تبدت من قبل في خروج الجماهير اليابانية في مظاهرات تطالب بإنهاء القواعد العسكرية الامريكية في الجزر اليابانية وكذلك في الازمة مع روسيا بطرد الدبلوماسيين الروس من واشنطن فردت روسيا سريعا بطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الامريكيين في موسكو وفي وقوف تلك الادارة عاجزة امام الصلف الصهيوني في اسرائيل وعدم قدرة الادارة الجديدة على اتخاذ موقف حاسم لانهاء العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني الاعزل والزام اليهود بالعودة الى مائدة المفاوضات وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من قبل في مفاوضات السلام بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي واخيرا تتبدى هذه الازمة بصورة اكبر في الخلافات الداخلية للادارة الامريكية الجديدة خصوصا بين نائب الرئيس تشيني المخضرم الذي يسير شئون الدولة ويوجهها رغم ما يعانيه من متاعب صحية وبين كولن باول وزير الخارجية وهو خلاف واضح وملموس للمتابعين والمحللين السياسيين. وعلى الجانب الاخر تحاول الصين استغلال الازمة الحالية لتثبيت اقدامها كقوة عظمى وند قوي لامريكا وربما الوريث القادم للقوة الدولية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ودولة القطب التي ستتجه اليها الانظار في السنوات القليلة المقبلة ولعل هذا هو ما دفع الصين الى عدم الالتفات الى التهديدات او الاغراءات الامريكية بالخسارة اقتصاديا وذلك لان الصين بالفعل قوية اقتصاديا وتعد التنمية بداخلها من اعلى النسب العالمية ارتفاعا وليس هذا فقط بل ان المنتجات الصينية غزت السوق الامريكي في السنوات الاخيرة بقوة. هذا علاوة على ان الصين تريد من خلال طول فترة الازمة فك رموز وشفرة اجهزة التجسس المتقدمة التي تحتوي عليها الطائرة والتي مازالت تحتوي على جزء كبير منها رغم ما اعلنته الادارة الامريكية بأن هذه الاجهزة قد تم تدميرها فقد احاطت الصين الطائرة بجيش من المهندسين والفنيين المدربين على اعلى مستوى لمعرفة سر تلك الاجهزة ومن جهة اخرى تريد الصين ان تلقن واشنطن درسا فتكف عن تلك الطلعات الاستطلاعية لطائرات التجسس الامريكية على الجزر الصينية والتي زادت في الفترة الاخيرة مما يؤكد خوف واشنطن من التنين الاصفر كقوة قادمة تهدد واشنطن كدولة القطب الواحد. تلك القراءة لملامح الازمة الحقيقية بين واشنطن وبكين تعكس بوضوح قرب نهاية امريكا كقوة عظمى تتصرف بغطرسة وعنجيهة على طريقة رجال الكوبي في افلام رعاة البقر الامريكية الذين يقتلون دون مبالاة بأسلحتهم الفتاكة اهل البلاد الاصليين الذين أبادهم المحتل الغربي في واحدة من اشنع المآسي الانسانية ولكن دون ان يدري هذا المحتل ان العمر قد داهمه وانه قد تقدم في السن وجاء عليه الدور ليقتل برصاصة شاب من أهل البلاد الذين يدافعون عن بلادهم ولكن الشاب هذه المرة جاء من الشرق انه التنين الصيني فهل تعد هذه الازمة بداية النهاية للسيطرة الغربية على شئون الكون والتي استمرت اكثر من اربعة قرون لتعود السيطرة لمكانها الطبيعي في الشرق مهد الحضارات والرسالات السماوية هذا ما ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة. كاتب مصري جامعة الامارات