صدر منذ اسابيع كتاب «الحرب القذرة» بباريس من تأليف احد ضباط المظليين في الجيش الجزائري وهو كتاب مثير للجدل مهما كانت درجة شكوكنا في نوايا مؤلفه لانه يسلط الاضواء على تشابك الاوضاع الجزائرية ، وتعقدها وصعوبة الوصول الى الحقيقة ولاتزال الجزائر جرحا نازفا على الصعيدين المغاربي والعربي، وهناك مؤشرات ايجابية منها مثلا ان العبارة التي اصبح الشعب الجزائري يتداولها احقاقا للحق هي عبارة «الجماعات الاجرامية المسلحة» وليست «الجماعات الاسلامية المسلحةش لان الشعب الجزائري الذي دفع ضريبة الاستقلال وضريبة الهوية بمليون شهيد يعرف اليوم اكثر من سواه ان القتلة الذين يذبحون الابرياء العزل لادخل لهم من قريب او من بعيد بالاسلام ويعرف الجزائريون كذلك من الشمال للجنوب ومن الشرق الى الغرب ان القتلة قادمون من قواعد اخرى مضادة للاسلام، وهدفها المزدوج هو: 1 ـ تخريب الجزائر وبث الرعب وذبح الجزائريين. 2 ـ الصاق المجازر باسم الاسلام الحنيف جل الاسلام عن ذلك حتى ولو رفع القتلة شعار الجهاد! ولم يعد خافيا عن الشعب الجزائري ان القتل العشوائي يدبر من طرف «مافيات» العمالة والعمولة تلك التي تمكنت من مقدرات الجزائر وصناعتها وتجارتها وبترولها وغازها وربطت مصالحها الانانية الضيقة بشركات اجنبية مشبوهة وتغلغلت في اجهزة السلطة وكمت الافواه منذ الاستقلال وضربت في الادارة كالاخطبوط ومن خلال تلك «المافيات» مررت كل القوى الاستعمارية مشاريعها اللصوصية وبرامجها الثقافية في غفلة من ضمير الشعب الجزائري ووجدانه العربي المسلم وفي مأمن من اليقظة. وان الذي يقرأ المقالات والتحليلات الموضوعية ويستمع للشهود الناجين من المذابح يدرك خطورة ما يدبر للجزائر ومايدبر للاسلام ومايدبر للمنطقة كلها في غياب الوفاق الوطني الضروري الذي لاحل سواه فقد تصرف الرئيس بوتفليقة حين اعلن الاستفتاء بحكمة وحين اقر قانون الوئام الوطني وانخفض معدل العنف وتصرف المعتدلون بحكمة بدورهم حين اطلقوا نداء الوفاق واستجاب لهم جيش الانقاذ باعلان وقف اطلاق النار لضبط الجناة المجرمين وكشف هؤلاء الوحوش تحت ضوء الحقيقة الساطع. لقد بدأت دوامة العنف مع مقتل الرئيس محمد بوضياف والذي قتل بوضياف هو نفسه الذي يكمن وراء المذابح، فمن قتل بوضياف واين قاتله ولماذا لم تعلن محاكمته؟ ومن قتل عبدالحق بن حمودة زعيم النقابات لقد القي القبض على شاب اعترف في التلفزيون بقتله ثم سمعنا ان الشاب مات في السجن ومن قتل؟ ومن قتل؟ اسئلة ستظل بلاجواب واصبح العالم بأسره ـ لا العرب ـ وحدهم يريد ان يعرف ويريد ان ينتهي هذا المسلسل الرهيب فعلى الممسكين بأمر الجزائر اليوم ان يمدوا ايديهم لكل الضمائر النقية والنوايا الصادقة باعلان الحقائق وكشف الارهابيين واعلان المصالحة بين كل الفئات الخيرة التي تدين العنف وتندد بالارهاب وتسعى للسلام. لا حل للجزائر الا الوفاق فإرادة استئصال روح الشعب المسلمة هي ارادة شريرة اجنبية دخيلة، لاتخدم مستقبل الجزائر، كما ان القرامطة الجدد الذين يرفعون شعار الاسلام بالسكاكين ـ ان وجدوا ـ فهم من المجرمين الجهلة الذين لاخير يرجى منهم للعباد والبلاد. ثم ان ما يسمى التدخل الدولي ليس دائما امرا سيئا فقد رأينا مفعول اتفاقية «دايتن» في البوسنة والهرسك ومهما كانت نواقصها وحدودها فقد اخرست الهمجية الصربية وقضت على قواعد مدفعيتهم الثقيلة وفكت الحصار عن سراييفو واخرجت لاوروبا وللعالم حلا اقرب مايكون الى العدل مادام ابقى على الجمهورية البوسنية بقيادتها الشرعية وعطل ظهور كيانات منقوصة على اساس عرقي مثل جمهورية صرب البوسنة او مقاطعة الكروات. وفي الجزائر يمكن ان يتصور حل ـ لا على طريقة اتفاقية دايتن بالطبع ـ ولكن بوساطة اسلامية او عربية او دولية، ويشترط في هذه الوساطة ان تكون بعيدة عن قوى التأثير الجاذبة والدافعة وعلى صلة احترام بكل الفعاليات السياسية الحقيقية في الجزائر لترسم ملامح خطة جزائرية مئة بالمئة ووطنية لحما ودما تنقذ الجزائر مما تردت فيه من فوضى ومما يعانيه شعبها من فواجع اصبحت اليوم «عادية» و «مقبولة» كأنها القدر المحتوم او القضاء النافذ. ان الوساطة اسلامية كانت ام عربية ام اممية لاحسن وافضل من تلك المخططات الجهنمية التي تعد للجزائر من قبل اعدائها واعداء امتها تحت غطاء التدخل الاخوي او المبادرة الانسانية وليس ذلك على الرئيس المناضل الفاضل عبدالعزيز بوتفليقة بعزيز، فهو رجل عف القلب واللسان كان الله في عونه.