عندما انعقد مؤتمر البيئة البشرية، في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1972 بدأ الناس من يومها يتسامعون عن شيء اسمه البيئة.. ومنهم من ترجم هذا الشيء «الى انه مسألة، او اختصاص او معضلة او مشكلة ولكن ها نحن سكان الكرة الارضية نطور هذا الوعي المستجد في حياتنا ليصبح اسمه «البيئةـ قضاياها واشجانها وهمومها» ولقد تنامى هذا الوعي المتطور وتعددت ابعاده وخاصة في ضوء حدثين اساسيين شهدهما العقد الماضي: ـ الاول هو انعقاد مؤتمر الامم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية في صيف عام 1992 في ريو دي جانيرو بالبرازيل. ـ الثاني رفض الولايات المتحدة التصديق على اتفاق كيوتو الذي ينص على خفض انبعاثات الغازات الملوثة للغلاف الجوي المحيط بكوكبنا مما يؤدي في رأي جمهور العلماء الاختصاصيين الى تخفيف ظاهرة الاحتباس الحراري «التساخن الكوكبي» التي افضت ومازالت تفضي الى رفع درجات الحرارة في جميع انحاء العالم. دور الاحتكارات العملاقة مع هذين العاملين تواكبت ظاهرة ثالثة كانت في حالة من التطور والاطراد ربما على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، وتتمثل في تنامي النفوذ والنصيب الذي مابرحت تتمتع به الشركات العملاقة المتعدية «او المتعددة» الجنسيات في النشاط الاقتصادي والانتاجي في العالم، وفيما يؤكد المدافعون عن تلك الشركات العملاقة انها توفر بحكم اتساع انشطتها وتعدد اختصاصاتها فرصا غير مسبوقة للعمل والانتاج والنشاط الاقتصادي امام الكثير من البلدان الفقيرة او المعزولة الا ان هناك من يحذر من ان هذه المؤسسات الاحتكارية الضخمة تمارس انشطتها بشكل يؤذي بيئة كوكب الارض حيث لايحكمها سوى الربح هدفا ومنطلقا دون ان تراعي مواثيق الاخلاق او قواعد السلوك او روادع الضمير التي قد تحول بينها وبين ان تمعن في استغلال مقدرات كوكبنا الى درجة الاهدار او الانضاب او التسوية الى حد الاستنفاد بل ان هذه الانشطة التي تشهدها الساحة الدولية حاليا وخاصة في قارة مهيضة وغنية بالموارد مثل افريقيا جاوزت المدى الى حد ان اختلطت بها انشطة اجرامية ومن ذلك مثلا الاستغلال غير المسئول لثروات افريقيا من الماس والكاكاو والنفط والحيوانات النادرة «المنتجة للجلود الثمينة او لاصناف العاج» كل ذلك كي تحول عائداته الى اموال بالمليارات احيانا تصب في جيوب وخزائن اكثر من طغمة فاسدة من بارونات الحرب الاهلية او اركان الفساد في نظم الحكم او المتاجرين في كل شيء، على نحو ما المحنا في احاديث سابقة ابتداء بالاخشاب الثمينة وليس انتهاء بالبشر وكم عمد نظام ديكتاتور ليبريا السابق، تشارس تايلور الى شراء الاسلحة والعتاد من اجل اطالة امد الحرب الاهلية التي خاضها ضمن منافسيه مقابل توريده لحساب الاحتكارات الدولية المتعدية الجنسات كميات هائلة من الاخشاب المستمدة من اشجار الغابات الافريقية في ليبريا وبالطبع تم اجتثاث هذه الاشجار عبر مساحات شاسعة مما ادى الى الاخلال بالدورة المائية المطرية، في غرب افريقيا ومما يجعل الاصابة بالجفاف بسبب شحة الامطار خطرا ماثلا ومحدقا ومنذرا بأفدح العواقب في تلك المنطقة من القارة المظلومة السمراء. التحالف مع الفساد وبديهي ان هذه الصفقات التي تعقد بين نظم الحكم الممعنة في الفساد وبين الاحتكارات غير الوطنية المحضة في الاستغلال هي التي ادت حسب تقديرات الامم المتحدة ووكالات الاغاثة الانسانية الى زيادة النزاعات والحروب والصراعات الداخلية مساحة وعددا واجلا وعنفا وضراوة ومن ثم فداحة في العواقب التي تمثلت في مزيد من معاناة البشر، سواء في مخيمات اللجوء او في مستوطنات التشرد والشتات او في مصحات الاعاقة البدنية والنفسية، ناهيك عن المصادرة على مستقبل اجيال لا ذنب لها فيماجفته ايدي الفاسدين والمستغلين. زيادة سكان الارض ثم جاءت ظاهرة الزيادة المطردة في سكان العالم لتضيف مزيدا من الاعباء وتصنع مزيدا من التحديات امام سكان كوكبنا وهو يسعى جاهدا لكي يجعل الحياة فوقه اديمة معقولة كي لانقول مريحة او رغدة ميسورة في هذا المضمار بالذات يقول المعهد العالمي للموارد: ـ ان سكان العالم سوف يصلون والله سبحانه اعلم في عام 2025 الى 8 مليار نسمة اي بمقدار نحو ملياري انسان عما بلغه حجم سكان كوكبنا في عام 2000 «وبالمناسبة كان هذا تقرير العام الماضي وربما يكون هذا التوقع الذي افادت به الاسقاطات الاحصائية اقل من الحاصل فعلا فها هي جارتنا العزيزة الهند تفيد منذ ايام بأن سكانها قد بلغوا المليار نسمة بالفعل مع مطلع عام 2001 الحالي وهو رقم يفوق توقعات علماء السكانيات الديمغرافيين وكانت تلك مفاجأة غير سارة بالنسبة لاهل الديمغرافيا في كل حال. والمشكلة ان البليوني انسان المتوقع ان يضافوا الى سكان العالم في ربع القرن الحالي «وقد يكونون اكثر بعد مفاجأة الهند التي اشرنا اليها» سوف يحتاجون بداهة الى تدبير امر معايشهم وتلبية امر احتياجاتهم مابين غذاء وكساء ومسكن وما الى ذلك «ونفي بهذا امر التدبير البشري الذي يستخدم فيه عقل البشر كفاحهم في التعامل الحكيم الرشيد مع الكون الذي خلقه تبارك وتعالى لصالحهم وسخر موارده لخدمتهم». والمهم ان هذه الزيادة بكل احتياجاتها يترجمها دعاة البيئة «ونحن منهم» الى ان الامر سينطوي ولاشك على تحميل زائد واعباء اضافية تبوء بها منظومة الموارد مابين الزراعة والمياه والاخشاب والمعادن وخيوط المنسوجات. ورغم ان هناك من أساتذة العلم الايكولوجي «البيئي» من لايزال يؤكد ان كوكب الارض حسب مقاييس موارده الراهنة وفي ضوء توقعات تنميتها ـ قادر، بفضل الله على ان يلبي تلك الاحتياجات المتوقعة من تلك الموارد والاصناف اللازمة للحياة البشرية ولو عند مستوى الحياة المتواضع نسبيا، الا ان هؤلاء الاختصاصيين مازلوا يحذرون من ان كوكب الارض لن يستطيع ان يتحمل الى مالانهاية ان يعول حجما سكانيا دائم التزايد مطرد التكاثر وخاصة اذ كان المطلوب بالطبع ان يعيش الناس مع سخوات قرننا الحالي الوليد عن مستوى الطبقة الوسطى الذي نعرفه وبما يليق بالحدود المعقولة من كراهة الانسان. الماء والحياة في هذا السياق يقف هؤلاء العلماء عند مادة تعد الاخطر والاثمن من بين ضرورات حياة البشر هذه المادة او هذا المورد هو: الماء وهم يبادرون الى التحذير من ان الماء سيكون واحدا من الموارد التي سوف تتأثر من حيث التوافر والصلاحية بفعل الزيادة المطردة والمنفلتة في السكان من ناحية، وبفعل السلوك الاسرافي او حتى الاهداري غير الرشيد في التعامل مع موارد المياه من ناحية اخرى. ومرة اخرى يطمئننا الاختصاصيون بالقول ان من حسن طالع سكان الارض «او فلنقل من رحمة الله بهم وبمستقبلهم» ان موارد المياه المتاحة حاليا مازالت كافية لتلبية بل واشباع الاحتياجات الراهنة لسكان العالم، فضلا عن امكانية تجدد هذه الموارد المائية بشكل يبشر بان سيكفي الوفاء باحتياجات جزء معقول بدوره من الزيادة السكانية المتوقعة في سنوات مقبلة. تبقى مشكلة الضغط المتزايد، غير الرشيد او غير المنضبط بل غير الاخلاقي في بعض الاحيان على الموارد المائية مشكلة يوضح ابعادها الباحث الامريكي، الاستاذ مايكل كلير الذي صاحبنا عبر مراحل من هذا البحث حين يقول: مشكلة هذه الزيادة والضغوط المطردة على الموارد المائية «للاغراض البشرية واغراض الصناعة والزراعة» تشير الى ان الامر سوف ينطوي على حالات نقص مرشحة جديدة بان تعانيها بعض المناطق القليلة المياه على مدى العقود القليلة المقبلة من القرن الحالي، ويخص الباحث الامريكي قائلا: ويصدق هذا الامر بالذات في منطقة الشرق الاوسط حيث اصبحت المياه العذبة بالفعل في حال يقل فيها العرض المتاح من الموارد عن الطلب اللازم لتلبية الاغراض المختلفة لاسيما وان النمو السكاني بالشرق الاوسط يعد من اعلى المعدلات على مستوى العالم كله، ونعيد توخي مزيد من الكفاءة في ترشيد استخدام المياه، وحتى يثبت بالفعل امكانية تحلية مياه البحر بتكاليف يمكن تحملها، فان التنافس على الوصول الى مصادر المياه العذبة او بالأدق على سبل وامكانات الحصول عليها سوف يتضاعف في مثل هذه المناطق مما قد يفضي الى اندلاع الحروب. الهجرة الى المدينة وبعد مشكلة المياه تنتقل بنا بحوث البيئة ودعوات ترشيد التعامل بها بمعنى الرفق بامكاناتها ومواردها الى حيث يشير الاختصاصيون الى ظاهرة مستجدة بالفعل في حياة البشر في عالم اليوم، ويطلقون عليها مصطلحا محددا هو: .. التحضّر ومعناه المباشر تشرحه عبارة اخرى هي: التحول الحضري.. او بالأدق ظاهرة نزوح سكان الارياف والبوادي الى المدن والمراكز الحضرية. سقى الله الايام التي كان الناس فيها يتغنون بمآثر سكنى الريف حتى النصف الاول من القرن العشرين حيث الفلاح في اغنية عبدالوهاب الشهيرة محسود على عيشته الذي ينعم فيها بسكينة الاطمئنان وراحة القلب وهدويء البال على نحو ما حاول ان يعبر عنه في الاغنية مؤلفها الشاعر الشعبي بيرم التونسي دع عنك ايام التغني بعيشة البادية، او حياة الجبل على السنة الشعراء الشعبيين في الجزيرة او في اغاني فيروز ووديع الصافي وغيرهما.. كل ذلك اصبح ارثا وذكريات من الماضي لقد قرر اهل الريف ان يهاجروا الى المدينة ربما احسوا انهم منسيون او مستبعدون من خيرات العاصمة او انهم مهمشون حسبما يقول التعبير المستجد ان مصطلحات علوم الاجتماع وربما كان معهم كل الحق او بعض الحق يستويان فالكل يعلم ان العواصم انانية بطبعها، هي مدن بلا قلب كما عبر يوما الشاعر المصري احمد عبدالمعطي حجازي في وصف القاهرة اذ جاءها بدوره مهاجرا او نازحا من رياض دلتا النيل. ورغم ان ظاهرة النزوح هذه ظاهرة التحضر كما يسمونها ظاهرة شائعة على مستوى العالم كله، الا انها ابرز ما تكون في العالم الثالث حيث الفرص الاقتصادية اندر وحيث سبل العيش على مستوى سد الرمق ايسر في الحاضر عنها في القرية او البادية النائية. مرة اخرى تسعفنا لفهم ابعاد الظاهرة احصاءات المعهد العالمي للموارد وتفيد بالتالي تصاعد عدد سكان المدن بشكل مفاجيء وملحوظ من 1.5 مليار نسمة في عام 1975 ليصل الى 2.6 مليار نسمة في عام 1995 ولما كان الحبل مازال على الجرار فمن المتوقع ان يقفز هذا العدد من سكان الحضر ليصبح 5 مليارات نسمة اي خمسة اسباع سكان الدنيا كلها في عام 2025. احياء الشقاء العشوائية طبعا يقصد بالحضر المدن الكبرى والعواصم الكوزموبوليتية الضخمة والمؤثرة من ناحية والمكتظة اصلا بالسكان وادوائهم ومشاكل ازدحامهم من ناحية اخرى ذلك لان اهل الريف والبادية الكرام لاينزحون الا بفعل قسوة الحياة ومن ثم لايقصدون المدن الاقليمية حيث الهم واحد والمشاكل مشتركة او تكاد تكون انهم يتوكلون على الله ويتجهون عامدين الى العاصمة عاصمة الاقليم او عاصمة الوطن المركزية وتؤدي هذه الظاهرة الى قيام المستوطنات البشرية العشوائية حول مشارف المدن الكبرى وعند حوافها وتؤدي ايضا الى ما اصبح يسمى احياء الشقاء حيث التناقض بين الحي الفقير وبين ما يعانيه ساكنوه النازحون من حولهم من الحياة الرخية، اللذيذة، الهائنة، «الدولشي فيتا» في احيا المدينة الاخرى او هكذا يتصورون. ومرة اخرى تقول الارقام: ان نحو 300 مليون انسان كانوا يسكنون اكبر 25 مدينة في العالم في سنة 1995 «بواقع 12 مليون نسمة في المتوسط لكل مدينة واحدة». ومع حلول عام 2015 سيكون هناك 1.7 مليار انسان يسكنون في مدن يزيد سكان كل منها على مليون نسمة. مامعنى هذا؟ ـ معناه اكبر واخطر تحميل على جهد تنور به موارد كوكب الارض اذ لايخفى عليك ان سكان المدينة اشد احتياجا وربما أكثر طمعا في المزيد من الموارد على شكل الكهرباء والغاز والطرق والسيارات ومساحات الارض والمياه والطاقة اكثر من سكان الريف فضلا عن ان المدينة تنتج بل تفرز كميات اكبر ومن ثم اشد خطرا على صحة البشر من المخلفات والنفايات هذا فضلا عما تتطلبه منشآت المدينة من مساحات ثبت ان كثيرا منها تم تخصيصه واستخدامه على حساب اراض كانت في الاصل قيد الاستخدام الزراعي. تلك هي الصورة التي باتت مرسومة بالارقام والحقائق امام اذهان الاختصاصيين لكن التأمل في ابعادها يحتاج الى ان ندخل في الحساب عاملين اساسيين هما: 1 ـ دور التكنولوجيا في التصدي لمثل هذه المشاكل 2 ـ اثر هذه الابعاد على قضايا السياسية والعلاقات بين الدول في المستقبل وذلك هو محور مايلي من حديث ان شاء الله. كاتب سياسي من مصر