سرت عدوى افتعال الخناقات الكلامية على شاشات التلفزيون بين المحطات الفضائية العربية، واشتعلت المنافسة بينها لاستضافة شخصيات مشهورة وأخرى تأتيها الشهرة ما بين عشية وضحاها، شرط أن تتبارى في تبادل اللكمات الكلامية، واطلاق الصيحات واصدار الاحكام المغلفة بعبارات نارية لاتحمل شيئا، ولا تقترب اصلا من الموضوع المطروح للمناقشة، وكأنها في مباراة اشبه بصراعات «الديكة» الرومي في الاحياء الشعبية. ويحق لتلك القنوات الفضائية التي تطبق بوعي أو بدونه، مقولة أسمع ضجيجا ولا أرى طحنا أن تبادر لتسجيل انفرادها ببث هذا اللون المستحدث من البرامج التلفزيونية، التي لم يسبقها اليها أي من الفضائيات الدولية، حتى لا يضيع حقها المادي والادبي، وتحتفظ بحق مقاضاة من يقلدها في هذا اللون الغريب الذي يقلب «الحواريات» الى «مونولوجات». في الاصل في البرامج «الحوارية» التلفزيونية انها تحترم تقاليد الحوار، وأولها ألا تقاطع متحدثاً قبل ان يكمل عرضه لفكرته، وان يحظى المتحاورون بفضيلة حسن الاستماع لبعضهم البعض، وقبل كل شيء احترام عقلية المشاهد، والبعد عن السلوكيات المظهرية، وادعاء امتلاك الحكمة. أما ما نشاهده على شاشات فضائياتنا العربية، فيندرج تحت باب «عض الأصابع» و«نكش» الشعر على طريقة الخناقات الشعبية. وكلما تزايد صياح الضيوف، وتداخلت أصواتهم كلما اتسعت الابتسامة التي تغطي وجه المذيع أو المذيعة، وكأنه لا يخفي سعادته بسخونة البرنامج، حتى لا يضطر الى قول: طوبة على طوبة خللي العركة منصوبة، ولا يهمه مدى الاشمئزاز الذي يصيب المشاهد، ومدى الدمار الذي يلحقه بأذهان النشء الذين يتصورون ان ما يشاهدونه هو درس في فن الحوار والاختلاف. والحقيقة ان ما تبثه الفضائيات العربية ـ إلا نادراً ـ لا علاقة له أصلاً ببرامج الحوارات خصوصاً ان اقتربت من القضايا السياسية، فالفضائيات الدولية لم تتخل بعد عن وقارها ورصانتها، ومازالت تحرص على اسناد مهمة ادارة تلك الحوارات الى اكفأ المذيعين ولا تستضيف سوى من سينتفع المشاهد لاقصى حد من رؤاهم وتحليلاتهم سواء كانوا مسئولين او خبراء أو صحفيين لهم كتاباتهم. ولا أظن ان احداً من العاملين في الفضائيات العربية المسكونة بهاجس «صراع الديكة» يجهل اسلوب المذيعة التلفزيونية الامريكية بربارا والترز في الاعداد الدؤوب لحواراتها وكيفية ادارتها لدفة الحوار وطرح الاسئلة العميقة في لب الموضوع، واحترافها في استدراج المشاهير، الامر الذي منحها شهرة وعائداً ماليا يحسدها عليه الكثيرون. ويجب على فضائياتنا العربية أن تسارع بالتخلي عن هذا الاسلوب غير المجدي، والذي يكرس سمعة سيئة لاساليب الحوار العربية التي يصفها الغرب بأنها فن في التهويش والجعجعة!